أحمد بن محمد مسكويه الرازي

189

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

خاتمة المقالة الثالثة فقد ظهرت لذة السعيد كيف تكون ومن أين تبتدىء وإلى أين تنتهي ، وكيف يكون السرور الحقيقي واللذة الذاتية ، وتبيّن أيضا انه أبديّة وتامّة والهيّة ، وان ضدها هو الشقاء لذاته بالضد ، وعلى العكس أعني أن لذاته كلها عرضية ومنتقلة عن طبائعها إلى اضدادها حتى تصير مؤلمة أو مكروهة ، وانها غير الهية بل شيطانية وغير ممدوحة بل هي مذمومة ، وذلك بأن ينظر في السعادة هل هي ممدوحة . فان ارسطوطاليس يقول : « ان الأشياء التي هي في غاية الفضل لا يوجد لها مدح ، لأنها أفضل وأمدح وأجل من أن تمدح » . قال : « وذلك أنا قد ننسب المتأهلين والخيار من الناس إلى السعادة ، وليس يوجد أحد من الناس يمدح السعادة نفسها كما يمدح العدل ، لكنه يجلها ويكرمها إلى أنها أمر الهيّ بالأشياء التي هي أفضل من المدح ، وهو اللّه تعالى ، وإلى الخير فان المدح هو الفضيلة والعمل بها ثم انتهى كلامه هذا إلى أن قال : فاللّه تعالى أكرم وأشرف من أن يمدح ، بل انما يمجّد ، « 1 » ونحن نمجد اللّه تعالى ونقدسه تمجيدا كثيرا وأما السعادة فلأنها أمر الهي وانما تفعل الأشياء كلها

--> ( 1 ) . المدح ، يكون للحيّ وغير الحيّ ، واللّه حيّ لا يموت . المدح ، قد يكون قبل الاحسان ، قد يكون بعده ، واللّه كله إحسان . أنّ المدح قد يكون منهيّا عنه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أحثّوا التراب على وجوه المدّاحين » . ولكن التمجيد في ذاته . أنّ المدح عبارة عن القول الدال على أنه مختصّ بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره . أصل التمجيد من الأرض المرتفعة ، حيث تدل على العظمة والثناء ، والمجيد ، هو الرفيع في علوّ شأنه . بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ البروج / 21 . أي : كريم فيما يعطي من حكمه ، وقيل فيما يرجى من خيره .