أحمد بن محمد مسكويه الرازي
177
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
فعله ذلك على القصد الأول من أجل ذلك الغير ، لكن يفعل بذلك الغير ما يفعله به بقصد ثان ، وفعله ذلك من أجل ذاته بالقصد الأول ، ومن أجل الفعل نفسه ، أي لنفس الفضيلة ولنفس الخير ، لأن فعله ذلك فضيلة وخير ، ففعله لنفس الفعل لا لاجتلاب منفعة ولا لدفع مضرّة ، ولا للتباهي وطلب الرياسة ومحبة الكرامة . فهذا هو غرض الفلسفة ومنتهى السعادة ، إلا أن الانسان لا يصل إلى هذه الحال حتى تفنى ارادته كلها التي بحسب الأمور الخارجة ، وتفنى العوارض النفسانيّة وتموت خواطره التي تكون عن العوارض ، ويمتلئ شعارا إلهيا وهمة إلهية ، وانما يمتلئ من ذلك إذا صفا من الأمر الطبيعي البتة ، ونفى منه نفيا كاملا ، ثم حينئذ يمتلئ معرفة إلهية وشوقا إلهيا ويوقن « 1 » بالأمور الإلهية بما يتقرر في نفسه وفي ذاته التي هي العقل ، كما تقررت فيه القضايا الأول التي تسمى العلوم الأوائل . الا أن تصور العقل ورؤيته في هذه الحال الأمور الإلهية وتيقنه لها ، يكون بمعنى أشرف وألطف وأظهر ، وأشد انكشافا له وبيانا من القضايا الأول التي تسمى : العلوم الأوائل العقلية . فهذه ألفاظ هذا « الحكيم » قد نقلتها نقلا ، وهي نقل أبي عثمان الدمشقي ، وهذا الرجل فصيح باللغتين جميعا أعني اليونانية والعربية ، مرضي النقل عند جميع من طالع هاتين اللغتين ، وهو مع ذلك شديد التحري « 2 » لإيراد الألفاظ اليونانية ومعانيها في ألفاظ العرب ، ومعانيها لا تختلف في لفظ ولا معنى . ومن رجع إلى هذا الكتاب أعني المسمى « بفضائل النفس » قرأ هذه الالفاظ كما نقلتها .
--> ( 1 ) . أي : يصل إلى درجة اليقين ، بالاعمال التي يعملها . قال اللّه عز وجل : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ الحجر / 99 . ( 2 ) . لتقصي الحقائق .