أحمد بن محمد مسكويه الرازي

170

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ولما كان كل واحدة من هاتين الفرقتين نظرت نظرا ما وجب ان نقول في ذلك ما نراه صوابا وجامعا للرأيين فنقول : إن الانسان ذو فضيلة روحانية يناسب بها الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة ، وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الانعام ، لأنه مركب منهما فهو بالخير الجسماني الذي يناسب به الانعام مقيم في هذا العالم السفلي مدة قصيرة ، ليعمره وينظمه ويرتبه حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على الكمال انتقل إلى العالم العلوي ، وأقام فيه دائما سرمدا في صحبة الملائكة والأرواح الطيبة . وينبغي ان يفهم من قولنا العالم السفلي والعالم العلوي ما ذكرناه في ما تقدم ، فانا قد قلنا هناك ، إنا لسنا نعني بالعلوي المكان الأعلى في الحس ، ولا بالعالم السفلي المكان الأسفل في الحس ، بل كل محسوس فهو أسفل وان كان محسوسا في المكان الاعلى ، وكل معقول فهو أعلى وان كان معقولا في المكان الأسفل . السعادة القصوى وينبغي ان يعلم أنه ليس يحتاج في صحة الأرواح الطيبة المستغنية عن الأبدان إلى شيء من السعادات البدنية التي ذكرناها سوى سعادة النفس فقط . أعني المعقولات « 1 » الأبدية التي هي الحكمة فقط . فإذا ما دام الانسان انسانا فليس تتم له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعا ، وليس يحصلان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية . فالسعيد إذا من الناس يكون في احدى مرتبتين : إما في مرتبة الأشياء الجسمانية متعلقا باحوالها السفلى سعيدا بها ، وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة باحثا عنها

--> ( 1 ) . أي : الحكمة العقلية .