أحمد بن محمد مسكويه الرازي
168
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وأما الفقر والخمول وسقوط الحال وسائر الأشياء الخارجة عنها فليست عندهم بقادحة في السعادة البتة . وأما الرواقيون وجماعة من الطبيعيين فإنهم جعلوا البدن جزءا من الانسان ولم يجعلوه آلة كما شرحناه في ما تقدم ؛ فلذلك اضطروا إلى أن يجعلوا السعادة التي في النفس غير كاملة ، إذا لم يقترن بها سعادة البدن وما هو خارج البدن أيضا ، اعني الأشياء التي تكون بالبخت والجد . 5 - السعادة على رأي المحققين من الفلاسفة والمحققون من الفلاسفة يحقرون أمر البخت وكل ما يكون به ومعه ، ولا يؤهلون تلك الإشياء لاسم السعادة ، لان السعادة شيء ثابت غير زائل ولا متغير ، وهي أشرف الأمور وأكرمها وأرفعها فلا يجعلون لأحسن الأشياء ، وهو الذي يتغير ولا يثبت ولا يتحصل بروية ولا فكر ولا يتأتى بعقل وفضيلة فيها نصيبا . ولهذا النظر اختلف القدماء في السعادة العظمى ، فظن قوم انها لا تحصل للانسان الا بعد مفارقة البدن والطبيعيات كلها ، وهؤلاء هم القوم الذين حكينا عنهم ان السعادة العظمى هي في النفس وحدها ، وسمو الانسان ذلك الجوهر وحده دون البدن ، ولذلك حكموا أنها ما دامت في البدن ومتصلة بالطبيعة وكدرها ، ونجاسات البدن وضروراته وحاجات الانسان به وافتقاراته إلى الأشياء الكثيرة ، فليست سعيدة على الاطلاق ، وأيضا لما رأوها « 1 » لا تكمل لوجود الأشياء العقلية لأنها لا تستتر عنها بظلمة الهيولي ، « 2 » أعني قصورها ونقصانها ، ظنّوا أنها إذا فارقت هذه الكدورة فارقت
--> ( 1 ) . أي : السعادة . ( 2 ) . الهيولي : جمعها هيوليات ، أي : المادة الأولى للعالم ، والكلمة أصلها يوناني .