أحمد بن محمد مسكويه الرازي

153

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

16 - مراتب الأفق الإنساني وأول هذه المراتب من الأفق الانساني المتصل بآخر ذلك الأفق الحيواني مراتب الناس الذين يسكنون في أقاصي المعمورة « 1 » من الشمال والجنوب : كأواخر الترك من بلاد يأجوج ومأجوج ، « 2 » وأواخر الزنج « 3 » وأشباههم من الأمم التي لا تميز عن القرود الا بمرتبة يسيرة ، ثم تتزايد فيهم قوة التمييز والفهم إلى أن يصيروا إلى وسط

--> ( 1 ) . الأماكن النائية والبعيدة عن الحضر . ( 2 ) . قال اللّه تعالى في محكم كتابه الكريم : إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ . . . الكهف / 94 . يأجوج ومأجوج ، وهما اسمان أعجميان لقبيلتين وحشيّتين من قبائل السكائيّة المنحدرة من يافث ابن نبيّ اللّه نوح عليه السّلام وقد ذكر اسمهم في التوراة ، كانوا كالحيوانات الوحشية ، يأكلون لحلوم الناس ، ويشربون دماءهم ، ويعيشون عيشة الحيوانات الكاسرة ، ويشنّون الغارات على جيرانهم ، ويفتكون بأيّ انسان يواجههم ، ويخرّبون ما يمرّون من العمارات والدور والمزارع . ولما بنى الإسكندر سدّا ضخما ذا أبواب مصنوعة من الحديد والنحاس . ليوقف زحفهم وفسادهم ، ولمّا أصبح السدّ عائقا بينهم اتجهوا نحو البلاد الأوروبيّة ، فعاثوا فيها الفساد ، وقضوا على دولة الرومان . لهم حروب ووقائع كثيرة مع ملوك الصين ، ووصلت فلولهم إلى غرب آسية وشمال إفريقية . للمؤرّخين والمحققين آراء متعددة بالنسبة ليأجوج ومأجوج منها : إنّ يأجوج من الترك ، ومأجوج من الجيل والديلم . ويرى بعضهم أنّ مأجوج اسم بلاد التتار ، وجنكيز خان كان أصله من تلك القبيلتين الهمجيتين . ( 3 ) . ربما يقصد المؤلف ثورة الزنج المعروفة ، التي قام بها الزّنج عام 869 للميلاد ، على الخلافة العباسية ، بقيادة رجل اسمه : عليّ بن محمد . وكان عدد من أصحاب الأرض البصريين قد استقدموا بضعة آلاف من أولئك الزنوج من إفريقيا الشرقية إلى جنوب العراق ليساعدوا على تجفيف السباخ الواسعة الواقعة قرب البصرة . فاستغلّ علي بن محمد أوضاع العبيد الاجتماعية السيئة وحرّضهم على الثورة واعدا إياهم بالحرّية والثورة . وسرعان ما استولى هو وأتباعه على ضواحي البصرة ، فسيّرت حكومة بغداد الجيش بعد الجيش لقتاله ، ولكنه هزمها جميعا . وفي عام 871 م نهب الزنج البصرة وأعملوا السيف في رقاب أهلها وهزموا قوات الخلافة ، ولم يوفّق العباسيون إلى القضاء على هذه الثورة وزعيمها إلّا في عام 883 للميلاد . ولابن الرومي قصيد مؤثرة صوّر فيها ما حلّ بالبصرة على أيدي الزّنج ومن أبياتها قوله : عرّجا صاحبيّ بالبصرة الزّه * - راء تعريج مدنف ذي سقام فاسألاها - ولا جواب لديها * لسؤال - ومن لها بالكلام ؟ بدّلت تلكم القصور بلالا * من رماد ومن تراب ركام