أحمد بن محمد مسكويه الرازي
138
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
معها هو أيضا ؟ نعوذ باللّه من الانتكاس في الخلق الذي سببه طاعة الشيطان واتباع الأبالسة ، « 1 » فليست الإشارة بها إلى غير هذه القوى التي وصفناها ووصفنا أحوالها . نسأل اللّه عصمته ومعونته على تهذيب هذه النفوس ، حتى تنتهي فيها إلى طاعة اللّه التي هي نهاية مصالحنا وبها نجاتنا وخلاصنا إلى الفوز الأكبر والنعيم السرمدي . « 2 » وقد شبّه الحكماء من أهمل سياسة نفسه العاقلة ، وترك سلطان الشهوة يستولي عليها ، برجل معه ياقوتة حمراء شريفة لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ونفاسة ، وكان بين يديه نار تضطرم فرماها في حباحبها حتى صارت كلسا لا منفعة فيها فخسرت فخسر ضروب منافعها . فقد علمنا الآن ان النفس العاقلة إذا عرفت شرف نفسها ، وأحست بمرتبتها من اللّه عز وجل ، أحسنت خلافته في ترتيب هذه القوى وسياستها ، ونهضت بالقوة التي أعطاها اللّه تعالى إلى محلها من كرامة اللّه تعالى ، ومنزلتها من العلو والشرف ، ولم تخضع « للسبعية » ولا « البهيمية » بل تقوّم النفس « الغضبية » التي سميناها سبعية ، وتقودها إلى الأدب بحملها على حسن طاعتها ، ثم تستنهضها في أوقات هيجان هذه النفس البهيمية وحركتها إلى الشهوات ، حتى يقمع بهذه سلطان تلك ، وتستخدمها في تأديبها وتستعين بقوة هذه على تأبي تلك ، وذلك ان هذه النفس الغضبية قابلة للأدب ، قوية على قمع الأخرى كما قلنا ، وتلك النفس البهيمية عادمة للأدب غير قابلة له . واما النفس « الناطقة » ، أعني « العاقلة » ، فهي كما قال أفلاطون بهذه الالفاظ ،
--> ( 1 ) . جمع إبليس . ( 2 ) . الأبدي - الخالد .