أحمد بن محمد مسكويه الرازي

23

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

فأقول : [ حكم من المولف ] كل إنسان يحب نفسه ، وكل من أحب شيئا أحب أن يحسن [ 10 ا ] إليه . فليت شعري عمن لا يعرف نفسه « 1 » كيف يحسن إليها ! ومن لا يعرف طريق الإحسان كيف يسلكه ! ولقد سمعت وزيرا من وزراء عصرنا ، وقد أقام لنفسه وظيفة استفره « 2 » فيها طباخه وصاحب شرابه « 3 » ، وزين كل يوم « 4 » مجلسه بريحان الوقت « 5 » وفاكهته ، وأحضر - اليوم الذي دعاني فيه - من أغانيه ما كان يعجبه ويطرب له ، فقال في عرض كلامه : إن عشت فسأحسن « 6 » إلى نفسي . فتدبرت كلامه وفعاله ، وإذا « 7 » هو لا يدرى كيف يحسن إلى نفسه ، ولا يفرق بين الإحسان إلى بدنه بركوب الشهوات ، وبين الإحسان إلى نفسه بمعرفة الحقائق والتقرب إلى اللّه تعالى « 8 » بأنواع القربات . فكان من عاقبة أمره أن حسده نظراؤه فأزالوه عن موضعه ، ونكبوه في نعمته ، وأشمتوا به أعداءه ، ثم وقع في أمراض لم يجنها عليه إلا انهماكه في مطعمه ومشربه وتمكنه من نيل لذاته . ثم أقول أيضا : لو كانت معرفة النفس أمرا سهلا ما تعبت « 9 » لها الحكماء ، ولا تبرمت « 10 » بها الجهال ، ولما أنزل في الوحي القديم : « يا إنسان ! اعرف ذاتك » ؛ وقد « 11 » قال اللّه - عز من قائل « 12 » - : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ! ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ « 13 » . . . » إلى آخر الآية . وروينا في الخبر « 14 » الصحيح أن : « من عرف نفسه عرف ربه » . وفي حديث

--> ( 1 ) ص ، ط : كيف لا يحسن - وهو تحريف ؛ وما أثبتناه ورد في ف . ( 2 ) أي اختار الطباخ وصاحب الشراب حاذقين . ( 3 ) شرابه : ساقطة في ف . ( 4 ) ط : وزين مجلسه كل يوم . . . ( 5 ) الواو ناقصة في ص . ( 6 ) ف : فأحسن . ( 7 ) ف : فإذا . ( 8 ) ط : عز وجل . ( 9 ) ص : تعتب - ف : ما تعنت به . ( 10 ) ف : به . ( 11 ) قد : ساقطة في ف . ( 12 ) ط : في محكم كتابه ، وكنا في ف . ( 13 ) سورة « الضحى » : آية 27 - 30 . ( 14 ) ص : الخير .