أحمد بن محمد مسكويه الرازي
تصدير 13
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
وتصبح الحكمة السائدة فيها هي تلك التي سادت في المثل الذي يقوله الفلاحون الفريزيون : « طأنى بقدميك ، ولكن دعني أعش ! » . وإلى هذه الظاهرة تستطيع أن تنسب طائفة كبيرة مما ستراه في هذا الكتاب خصوصا ما كتبه ابن المقفع في « يتيمة السلطان » والفارابي في هذه « السياسة المدنية » التي يدعونا إليها . ولا شك في أن كلّا من ابن المقفع والفارابي لم يكن من فساد المثل في الحياة وسوء النحيزة بحيث يقدم ما قدم هنا على أنه المثل الأعلى في السلوك للنفوس الحرة ؛ وإنما حكم العصر الذي نشّئ ونشأ كلاهما فيه قد اضطره إلى تلمس أسباب النجاح في الحياة على نحو عملي واقعي ، بغضّ النظر عما تقتضيه المثل العليا النظرية ، خصوصا إذا عرفنا أن كليهما قد عاش في كنف الأمراء ، ولم يستطع أن يحيا حياة حرة مستقلة ، وهذا هو الشرط الأول في قيام النفس الأبية التي لا تطأطئ رأسها لأي سلطان . فشتان بين روح الفارابي وابن المقفع ، وبين روح رجل مثل أبى العلاء المعرى الذي عاش حرا من كل قيد ، فأملى عليه استقلاله أفكارا حرة من كل القيود ! على أنك ستجد أيضا في مقابل هذه الأخلاق « الراكعة » أمام السلطان أخلاقا « شماء » استطاعت أن تقول : كلا ! وألا تحفل بأي جاه مهما عز وعلا . فستجد في كلام « ديو جانس » الكلبي وفي كلمات كثير من الصوفية المسلمين مثل أبى حازم وأبى سليمان الدارانى ( راجع بعد في ص 174 - 175 ) أقوالا رائعة تكشف عن شمم في الأخلاق يرد « أخلاق العبيد » الأخرى . فالصورتان متناقضتان ، ولكن كلتيهما ضرورية الوجود في مثل هذه البيئات ، إذ لا يتصور أن يكون ثم « انهيار » فحسب ، فلا يكون إلا ركّع وسجود . ومثل هذه الضمائر النادرة هي وحدها المشاعل الحية التي تحمل شعلة الأمل في الإنسان ، مهما اكتنفه من ظلم وران عليه من طغيان ؛ واستشهادها يضفى عليها هالة من القداسة التي لا تطاولها قداسة أخرى ، لأنهم باستشهادهم يصبحون شهودا خالدين على الحقيقة الخالدة ، حقيقة الحرية بمعناها الأرفع والأخصب والأعمق . وهؤلاء هم في الواقع الشفعاء الوحيدون للروح الشرقية أمام الحق الخالد . 3 - أن الهوة الكبرى بين الروح والبدن في ذهن الروح الشرقية تسيطر على توجيهها في الأمور التي تعالجها ؛ ولهذا لم تستطع أن تصل إلى هذه المرتبة