أحمد بن محمد مسكويه الرازي
87
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
فصل من كلام حكيم آخر يا من محض « 1 » بقليل من البلاء فغمط كثير الرجاء ، وامتحن بلذعة « 2 » من المكروه فنسى متتابع النعماء ! إني مخبرك عن نظير لك كان مثلك في بلوى الامتحان ، وشريكك في تتابع الحدثان ، تتخذه « 3 » سلفا وتقتدى به « 4 » خلفا ، فان للأسلاف معونة للأخلاف ، وفي السابقين عصمة للاحقين . وقد رفع اللّه تعالى « 5 » لكل خلف أعلام سلف ، وأيدهم من بعدهم باخبارهم أن سلفا كان لنا محن بضروب من البلاء ، وكان ممن يفتقر « 6 » الخمول ضنا بالعافية وقصر الهمة وتفاديا من خطر الصرعة ودناءة المكاسب [ 41 ب ] محاذرة لسوء العاقبة ، حتى إذا اشتملت الصنعة على محاسنه ، وعفى الخمول على هممه ، شحذ ذلك من كهامة « 7 » نفسه وأحدّ من كلول نابه ، فسمع بأذن غفلته ، ونظر بعين أمنيته ، وتكلم بلسان همته ، ثم اعتلجت الخواطر على قلبه ، وتزاحمت الأضداد على ضميره فاعتركن « 8 » على محصوله ، فإذا أو قد عز الحقد نارا خباها ذل التجاوز وتعده الأضغان لذاذة الظفر ، وتزهده فيها محاذرة الأيام . فإذا أشرعه الطمع شريعة ورد حلّأه « 9 » عنها ترقب الشفقة ، فتعاونت هذه الأضداد على قلبه وتناهت إلى تحكيم عقله ، كلّ يدلى بحجته ، فينتظر فصل قضيته ، فأشار العقل بالصبر والحلم ، وخوّفه الشر والاثم ، وصار من القلب إلى قاض حيران ، إذا هم بالاغتفار عارضته الأحقاد ، وإذا استحسن الصفح أتيح له خوف الذل ، وإذا رجا عاقبة الصبر عاجلته بوادر السفه ، وإذا أشفق من خوف الآثام مثلت له رخص الايهام . فلما طال اعتراك هذه الخصومة « 10 » لديه وتنافرها إليه وإيراد حججها عليه :
--> ( 1 ) ف : يا من يخص بقليل من البلاء فغمض كثير من الرجاء . ( 2 ) ص : بدعة . ( 3 ) ص : متخذه . ( 4 ) ف : يفتدى . ( 5 ) تعالى : زيادة في ص / ف : اللّه عز وجل . ( 6 ) ص : يقتفر . ( 7 ) كهم الرجل ( من بابى علم وكرم ) كهامة وكهوما : ضعف و - السيف : كل . ( 8 ) أي تشاجرن . ( 9 ) ط : خلاه . وحلأه ( بالحاء المهملة ) عن الماء : منعه . ( 10 ) ط : الخصوم .