أحمد بن محمد مسكويه الرازي

تصدير 11

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

1 - أن تكون من نوع « إياك أعنى ، فاسمعي يا جارة ! » ، أي أنها في حقيقتها موجهة إلى الحكام المعاصرين الذين يسومون رعيتهم سوء العذاب ، وقد وضعها أصحابها إسداء للنصح ، وتوجيها لهم وجهة الخير ، وطمعا في إنابتهم إلى الرشد والهدى . والبيئة الاسلامية التي انتشرت فيها هذه المواعظ والحكم ، المنسوبة إلى ملوك الفرس ، قد سادها طغيان لا بد أن يثير الضمائر الحية في تلك الأصقاع ، فاندفعت تنشئ هذه المواعظ عسى أن يكون فيها متعظ لأولئك الطغاة . أما السر في نسبتها إلى الفرس ملوك بخاصة فيرجع إلى حنين أصحابها إلى عهود صور لهم الخيال أنها لا بد قد كانت زاهية تسود فيها العدالة ، وقد برز منها خصوصا عهد كسرى الأول الملقب ب « أنوشروان » ( في الفارسية : أنوشه‌روان : ذو النفس الخالدة ) حتى أصبح المثل الأعلى للملك العادل ، لأنه ، كما روى نظام الملك في « سياست نامه » ( ص 29 الخ ، نشرة شيفر ) قد جمع عماله وأمرهم برفع الظلم عن رعيته ، فلم يسمعوا له ، فأهوى على الظالمين منهم ينكل بهم حتى أصلحوا ، وأمر بوضع سلسلة ذات نواقيس ( « سياست نامه » ص 36 وما يليها ) وصلها بقصره ، فمن كان ذا شكوى جذب السلسلة فدقت النواقيس وسمعها الملك نفسه ؛ فاستتب العدل ، حتى ليقال إن السلسلة لم يجذبها أحد طوال سبع سنوات ونصف ؛ ولما دقت النواقيس بعد هذه الفترة الطويلة لم يكن جاذبها غير حمار أجرب حك بدنه في السلسلة ! ! وطبعا كل هذه النوادر ما هي إلا أساطير صاغها الخيال الشعبي ، إنما الثابت تاريخيا أن كسرى الأول ( أنوشروان ) قد بسط سلطان القوانين العادلة على الجميع ، وأصلح خصوصا نظام الضرائب ، فأحس الناس لأول مرة بنوع من العدالة لو قورن بالظلم المتأصل في أسلافه لبدا العدالة كلها ؛ - فكان من اليسير على مؤلفي المواعظ ونصائح الملوك legeipsnetsruF أن يتخذوه مثلا أعلى لحث الولاة المعاصرين على التشبه به . ب - أن تكون للتمجيد القومي الإيراني ، خصوصا بعد أن وقفت الروح الإيرانية على قدميها من جديد في القرن الثاني الهجري وما تلاه بعد الهزيمة المنكرة