أحمد بن محمد مسكويه الرازي
80
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
وسقط عنه ما يليه من أمره . ومن أعجب ما يوجد في الانسان أنه لا يزال عاتبا على غيره ومستزيدا له ، كأنه قد كمل لمن عتب عليه ووفر لمن يستزيده . أما لو اعتاد قمع عوارض العدوان وإطلاقه العدل والانصاف لم يعدم ما يحمد من رأيه وبلوغ ما يحب مما يتمناه لنفسه إذا [ 38 ا ] سكن من هيجه . لكنه استثقل الحمية ، ورق عن مخالفة نفسه الأمارة بالسوء في شهواته ، ثم التمس الدواء بالتمنى ، والسلامة بغير احتمال مؤونة . هيهات ! لا تصلح أرض للزرع « 1 » بغير حرث وبذر ، ولا تزكو خلقة حتى تحتمل مضض المشقة ، ولن تحصل الفضيلة إلا بعد مغالبة النفس والهوى . فانظر ما تحمد من غيرك ، فلا ترضين من نفسك إلا به . ولا تأنسن بما خفى من عيوبك وإن لم ينتشر عنك ولم يظهر عليه سواك ، فان أنسك بذلك ضراوة على المعاودة ، وإذا تكرر القبيح بدا وغلبت الشقوة على صاحبه . اعلم أن قليل العيب « 2 » يمحق كثير المحاسن ، لأجل الحسد الموكل بأهل الفضل ؛ فاحذر أن تذكر بأنواع من الجميل ثم يعترض حاسد واحد بقبيح واحد فيهدم ما شيده مادحك ، فيكون ذلك مقرونا بذكرك في كل موضع حتى يمسك المادح عما يريد من تبجيلك مخافة أن يجيبه حاسدك بما يكره عند ذكرك ، مع أنه لا يسلم أحد من تهمة توجه نحوه وظن يرجم به « 3 » ويقال فيه . وليس هذا أخاف عليك ولا هو الذي يفسد جميل فعلك ، ولكن ما صح عندك وعرفته من نفسك وصدق فيه حاسدك . فمنه أشفق على صالح عملك وعلمك إن أردت زينة الدنيا وجمالا لا تهدمه الأيام ، وطاعة فيما تسأل ، وثناء فيما تباشر ينتشر « 4 » في الآفاق ، ومحبة ممن وصفت عنده « 5 » على النأى ، وعزا « 6 » لا ينداك
--> ( 1 ) للزرع : ساقطة من ف . ( 2 ) ف : العجب . ( 3 ) الرجم : القذف بالغيب والظن ، وكلام مرجم : عن غير يقين ، والمراجم : الكلم القبيحة ، وتراحموا بينهم بمراجم : تراموا . ( 4 ) ط : ينشر في الآفاق محبة . . . ( 5 ) وقع اضطراب آخر في تجليد ط فورد ما يتلو في ورقة 45 ا بعد 57 ب . ( 6 ) ط : ينالك . - وينداك : تأتيك ، ينالك - تقول : ما ندينى منه شئ : أي نالني ؛ وما نديت منه شيئا : أي ما أصبت ولا علمت ، ولا ينداك منى شئ تكرهه : أي ما يصيبك .