أحمد بن محمد مسكويه الرازي
تصدير 9
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
وهذا النوع من الأدب ، أدب الأمثال والحكم والمواعظ ، فيه من النفع بقدر ما فيه من الضرر . فهو إن أفاد في الحث على الفضيلة وفي استلهام الموعظة واتخاذ معايير للسلوك ، فإنه يضر من حيث هو قيد يشد النفس إلى صيغ مصنوعة وأفكار سابقة segujerp ومعان متعارفة ، وهذه من شأنها أن تحجر السلوك في مجارى السنة التقليدية ، مما يدعو إلى الانصراف عن التجديد والتوثب ويعقل سورة المتوفز إلى الآفاق المجهولة والمرامى الجديدة . فالنفوس المبتكرة لا ترتاد إلا المجهول ، ولا تسير على مواطئ أقدام الأوائل ، بل تفتح لنشاطها طرقا لم تطأها من قبل أقدام القدماء : وهذا هو سر التقدم الحي للإنسانية . أما أولئك الذين يلتزمون « القواعد الذهبية » ، ويتمسكون بعمود « السنة التقليدية » noitidart ويستلهمون في سلوكهم ما يسمى باسم « حكمة الأمم » snoitan sed essegas aI فلم يكونوا في الواقع غير مواطنين sioegruob متوسطين « طيبين » ، ولم يكونوا أبدا روّادا بارزين . ولهذا نرى نموذج دون كيخوته ينفر من الأمثال ويكره المواعظ ويدوس بقدميه حكمة الآباء ؛ ومن المعلوم أن الحضارة إنما ينشئ قيمها الكبرى أمثال دون كيخوته ، وليس أولئك « المواطنين الطيبين » ؛ ولهذا لا نحسبنا نعدو الحق كثيرا ، إذا قررنا أن انتشار أدب الأمثال والحكم والمواعظ في الشرق كان من أسباب ضعفه وانحلاله ، لأن الاكتفاء اللفظي كثيرا ما يقوم مقام الطاقة الفاعلية ، وفي هذا التعويض يقع المرء فريسة وهم مخيف : وهم إمكان الاستغناء بالألفاظ عن الأفعال ، وهو الوهم الذي يقتل كل حيوية ويكون أذانا بانحلال صاحبه . وفي حياة الشرق في العصر الحديث أبلغ دليل على ما نقول . ومن الأعراض الملازمة لهذا المركب النفسي الفاسد : النفاق ، والتوكل ، والخداع العاجز ، والمشاحنة السلبية في الأحوال التي تقتضى النضال الصريح الشريف . ومن هنا كانت طائفة الوعاظ شر طائفة أخرجت للناس ، لأن إحالة الوعظ إلى مهنة ، تستتبع وراءها ذلك الاختلال النفسي الذي أشرنا اليه . إنما المهم في قراءة الحكم أو لدى سماعها أن يتمثلها القارئ أو السامع في نفسه ، وأن يحياها في أفعاله ، وأن ينفعل بها كل كيانه ، وأن يحيلها إلى تجربة شخصية وكأنها مواعظ استخرجها لنفسه بنفسه من نفسه ، أو حكم قيلت في شأنه وعبر استنبطت من حاله وأفعاله ، كما كان الحلاج يفعل مع آيات القرآن .