إخوان الصفاء
9
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
أن نبيّن ما الطريق المستقيم الذي وصّانا به وأمرنا باتباعه على ألسنة أنبيائه ، صلوات اللّه عليهم ، ونصف أيضا كيف ينبغي أن نسلكه حتى نصل إلى ما وعدنا ربّنا ، كما قال اللّه تعالى : « إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا قالوا نعم » . ولكن لا يمكننا بيان ذلك بالحقيقة إلّا بكلام موزون ، وقياس صحيح ، ودلائل واضحة ، على مثل بيان اللّه تعالى وسنّة أنبيائه ، صلوات اللّه عليهم ، بالوصف البليغ لسائر آيات اللّه في الآفاق وفي أنفسنا ، حتى يتبيّن لهم أنه الحق ، كما قال اللّه تعالى : « وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون » . وإذا فعلنا ذلك تفتحت أبواب العلوم المخزونة والأسرار المكنونة التي لا يمسّها إلّا المطهّرون . واعلموا أيها الإخوان ، أيدكم الله تعالى وإيانا بروح منه ، أنه لا ينبغي أن يتكلم أحد في ذات الباري تعالى ، ولا في صفاته بالحزر والتخمين ، بل ينبغي له الّا يجادل فيه إلا بعد تصفية النفس ، فإن ذلك يؤدّي إلى الشكوك والحيرة والضلال ، كما قال اللّه تعالى : « ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ونحن نبتدئ ، أولا قبل كل شيء ، فنبيّن كيف ينبغي أن نصفّي النفس من الأخلاق الرديئة التي اعتدناها من الصبا ، ونجعل لوصفنا ذلك في رسائلنا الرياضية أبوابا شتى ، ونذكر في كل باب ضروبا من الأمثال ، لكيما يكون أوضح للبيان وأقرب للفهم وأبلغ في الموعظة ، ثم بعد ذلك نصف في هذه الرسائل أبوابا أخر يتبيّن فيها ما الطريق المستقيم إلى اللّه عزّ وجلّ ، وكيف ينبغي أن تتبع بكلام موزون ودلائل واضحة ، ليكون منهاجا للقاصدين ، وإرشادا للمريدين ، ثم نبتدئ بعد هاتين الجهتين بالكشف عن الأمور الإلهية الحيّة والأسرار المخزونة مما قد عرفناه بإلهام اللّه تعالى ، أو مما قد استنبطنا من تفاسير كتب أوليائه وتنزيلات أنبيائه ، عليهم السلام ، ومما قد جرى على ألسنة الحكماء في إشاراتهم ورموزاتهم ، ومن سبب بدء كون العالم بعد أن لم يكن ، ووقوع النفس