إخوان الصفاء
89
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وقل لِمَ لم يكن الجسد يحسّ في حال النوم تلك المحسوسات التي كانت معه في ذلك المجلس من الأصوات والضياء والروائح ، وهي موجودة هناك برمّتها ، بعينين وأذنين ومنخرين ؟ فإن زعم أن المنامات لا حقيقة لها ، فما ذا تقول في قول اللّه تعالى : « لقد صدق اللّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين » . وقول يوسف الصديق : « هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقّا » . وقول إبراهيم ، عليه السلام ، لابنه إسماعيل : « إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى ؟ قال : يا أبت افعل ما تؤمر » فلو لم يكن إبراهيم ، عليه السلام ، يعلم بأن المنامات لها حقيقة ، وأن الرؤيا صحيحة ، لما كان يعزم على ذبح ابنه برؤيا رآها في منامه ! وكذلك إسماعيل لو لم يعلم صحة ذلك لما قال : افعل ما تؤمر ، ولما كان يستسلم للذبح . ويروى عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوّة » وقال : « قد ارتفع الوحي وبقيت الرؤيا الصادقة » . فلو علم من يزعم أن المنامات لا حقيقة لها ، أن أكثر الأنبياء ، عليهم السلام ، كانوا يقبلون الوحي في المنام عند ترك النفس استعمال الحواس ، لما قال هذا القول ، ولما أنكر وجود النفس . هيهات قد جهل أشرف العلوم وخفي عليه أصل المعارف ، وبعد من الصواب ، وحرم أفضل المواهب من يزعم أن المنامات لا حقيقة لها ، وأن النفس لا وجود لها ، ولكن نسأل اللّه أن يهديهم ويفتح قلوبهم ويشرح صدورهم ، ليفهموا دقائق العلوم ولطائف الأسرار ، فإنه من لم يهده اللّه فلا هادي له « ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور » .