إخوان الصفاء
82
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
النواميس الإلهية ، ويفعلون ما أوجبته العقول السليمة ، ولا يطلبون على ذلك عوضا من جر منفعة إلى أجسادهم أو دفع مضرّة عنها ، فعند ذلك يقال إنهم أخيار على الإطلاق ، وإنهم من أبناء الآخرة . وأما الذين يطلبون العوض فيما يعملون من الخير والشر ، من جرّ المنفعة إلى أنفسهم ، أو دفع المضرّة عنها ، ولا يفكّرون في المعاد ولا يرجون في الآخرة الخير ، ولا يخافون العقاب ، ولا يهمّهم أمر النفس ولا النظر في حالها بعد الموت ، فيقال عند ذلك إنهم أشرار وإنهم من أبناء الدنيا . ووجه آخر إذا اعتبرت أحوال هؤلاء الأخيار الذين تقدّم ذكرهم ، وأنهم قد أفنوا أعمارهم كلّها فيما وصفنا من أعمال الخير ، ثم ماتوا ولم يحصل لهم عوض على ما عملوه قبل الموت ، فتعلم العقول وتقضي بالحق أن ذلك لا يضيع عند اللّه شيئا ، فيصبح بهذا الاعتبار أن بعد الممات - الذي هو مفارقة النفس الجسد - حالة أخرى يجازى فيها الأخيار وهي التي تسمى الدار الآخرة . وهكذا إذا اعتبر حال الأشرار الذين سعوا في الأرض بالفساد طول أعمارهم ، ثم ماتوا ولم يعاقبوا على ما فعلوا ، فتعلم العقول وتقضي أن هؤلاء لم يفوزوا ، وأن حالهم بعد الممات ليس كحال أولئك الأخيار ، وذلك قوله تعالى : « أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون » . هذا وإذ قد ذكرنا طرفا من خصال المؤمنين وشرائط الإيمان ، وخصال الكافرين وماهيّة الكفر ، فنريد أن نذكر طرفا من علم المؤمنين الراسخين وخصال العارفين المستبصرين الذين هم ورثة النبيين وأنصار المرسلين ، وإخوان الصّدّيقين المتألّهين الرّبانيّين الذين هم في أعلى رتبة الإنسانية مما يلي رتبة الملائكة أعلى عليّين ، ونذكر أيضا طرفا من صفة إخوان الشياطين الضّالّين المضلّين الذين هم في أدون رتبة الإنسانية مما يلي رتبة البهيميّة أسفل السافلين .