إخوان الصفاء

80

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

أرادوا وأشاروا إليه . فهكذا ينبغي أن يكون نظرك في أحكام الناموس ، حتى يتبين لك وجه الصواب فيها وغاية الحق . واعلم أن نظر واضعي الناموس في موجبات أحكامه ليس بنظر جزئي يريد صلاح بعض دون بعض ، ولا عاجل دون آجل ، بل نظره كلّي يريد الصلاح للكل ، والخير للعاجل والآجل جميعا ، بالنظر في العواقب وما يؤول الأمر إليه في المنقلب ، كما بيّنا في رسالة الناموس . فصل اعلم يا أخي أن الإنسان لا يخلو من حالتي الشّدّة والرّخاء ، والمؤمن في كلتا حالتيه لا يعرض عن طاعة اللّه ، وذلك أنه إذا كان صحيح الجسم قويّ البدن ، غنيّ المال ، عريض الجاه ، متفضّل الآداب ، قادرا على ما يشاء ، ممكنا لما يريد ، فهو مع هذه الحالات كلها يكون متّكلا على اللّه ، مستندا إليه ، مستعينا به ، متبرئا من حوله وقوته إلّا بالله ، كما قال سليمان ، عليه السلام : « هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر » وأما الكافر فهو في هذه الحالات كلها يكون راجعا إلى نفسه وحوله وقوته ومشيئته وإرادته واجتهاده وحيلته ، متّكلا على أسبابه ، معرضا عن ربه ، ناسيا ذكره ، كما قال قارون : « إنما أوتيته على علم عندي » . وأما حال الشدة والبلوى فالمؤمن يكون فيها صابرا ، بقضاء اللّه راضيا ، مقبلا إليه بحكم اللّه ، حامدا له ، حسن الظن به ، راجيا لرحمته ، سائلا عفوه ، مستسلما لأحكامه ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » . وأما الكافر فإنه يكون سيّئ الظن بالله ، ضجور النفس ، جزعا من الشدائد ، ساخطا على المقادير ، ذامّا لأسبابه ،