إخوان الصفاء
76
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون » . فالملائكة لا يخافون إلا من ربهم وهكذا العلماء ، قال اللّه تعالى : « إنما يخشى اللّه من عباده العلماء » الذين يشاهدونه ويرونه كما قال : « والشهداء عند ربهم » وكما قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، حين سأله الأعرابي : ما الإحسان ؟ فقال : الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . فهذه الرؤية والمشاهدة بعين الحقيقة وهي أن لا ترى في الدارين أحدا غيره ، كما قال المحقّق شعرا : ما شرب صفو صبابة أشجانها * حرق تأجّج في الهوى نيرانها وسألت عن صفو الوداد فقيل لي : * إيثار حبك ! قلت : جرّ عنانها كلّ له ، وبه ، ومنه ، فأين لي * شيء ، فأؤثره ، فطاح لسانها فصل اعلم يا أخي أن أول عمد الإيمان ، وأقوى أركانه ، هو الاتّباع لأصحاب النواميس الإلهية فيما يأمرون به من الطاعات وينهون عنه من المعاصي ، وهو السمع منهم والطاعة لهم ، وذلك أن أشرف أعمال البشرية ، وألذّ أفعال الإنسانية ، وأعلى رتبة ينالها العقلاء مما يلي رتبة الملائكة ، هي وضع النواميس الإلهية . واعلم يا أخي أن لواضعي النواميس وأتباعهم خصالا كثيرة ، وشرائط عدّة ، قد ذكرنا طرفا منها في رسالة النواميس ، وطرفا في رسالة اعتقاد إخوان الصفاء ، وطرفا في رسالة عشرة الإخوان بعضهم لبعض . واعلم أن مثل واضعي الناموس ، مع أتباعهم وما يسمعون منهم من العلوم ، وما يأتمرون به في سنن النواميس ، كمثل السماء وأمطارها والأرض ونباتها ، وذلك أن كلام أصحاب النواميس وأقاويلهم كالأمطار ، واستماع