إخوان الصفاء
7
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
واعلموا أيها الإخوان ، أيدكم اللّه وإيانا بروح منه ، أن حجابها عن ربها إنما هو جهالتها بجوهرها وعالمها ومبدئها ومعادها ، وأن جهالتها إنما هي من الصّدإ الذي تركّب على ذاتها من سوء أعمالها وقبح أفعالها ، كما قال تبارك وتعالى : « كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » . وأما اعوجاجها فهو من أجل آرائها الفاسدة وأخلاقها الرديئة كما قال اللّه تعالى : « فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم » . واعلموا أيها الإخوان ، أيدكم اللّه بروح منه ، أن النفس ما دامت على هذه الصفات فإنها لا تبصر ذاتها ، ولا يتراءى في ذاتها تلك الأشياء الحسنة الشريفة اللذيذة الشهية التي في عالمها ، كما وصف اللّه فقال : « فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون » وقال : « لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون » . واعلموا أيها الإخوان ، أيدكم اللّه بروح منه ، أن النفوس ما لم تشاهد تلك الأشياء لا ترغب فيها ولا تطلبها ولا تشتاق إليها وتبقى كأنها عمياء ، كما قال اللّه تعالى : « فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور » . واعملوا أيها الإخوان ، أيدكم اللّه بروح منه ، أن النفس إذا عميت عن أمر عالمها ، وتوهمت أنه لا وجود لها إلّا على هذه الحال التي هي عليها الآن في دار الدنيا ، فتحرص عند ذلك على البقاء في الدنيا ، وتتمنى الخلود فيها ، وترضى بها وتطمئن إليها ، وتيأس من الآخرة وتنسى أمر المعاد ، كما ذكر اللّه تعالى : « ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها » . وقال : « يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور » . ثم إنها إذا ذكّرت بوصية اللّه التي جاءت على ألسنة أنبيائه ، عليهم السلام ، لا تذكر شيئا كما قال اللّه تعالى : « وإذا ذكّروا لا يذكرون » . ثم إنها تبقى في عمايتها وجهالتها وطغيانها إلى الممات ، مصرّة مستكبرة كأن لم