إخوان الصفاء
62
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
إن الحكماء قالوا إن العلم هو تصوّر النفس رسوم المعلومات في ذاتها ، فإذا كان العلم هو هذا ، فليس كلّ ما يرد الخبر به من طريق السّمع تتصوّره النفس بحقيقته ، فإذا لا يكون ذلك علما بل إيمانا وإقرارا وتصديقا ، ومن أجل هذا دعت الأنبياء أممها إلى الإقرار أولا ثم طالبوهم بالتصديق بعد البيان ، ثم حثّوهم على طلب المعارف الحقيقة . والدليل على صحة ما قلنا قول اللّه عز وجل : « الذين يؤمنون بالغيب » ، ولم يقل يعلمون بالغيب . ثم حثّهم على طلب العلم بقوله : « فاعتبروا يا أولي الألباب » ويا أولي الأبصار . ثم مدح فقال : « يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات » وقال : « الذين أوتوا العلم والإيمان » فكفى بهذا فرقا بين العلم والإيمان . فنريد أن نبيّن شرائط الإيمان وصفات المؤمن ، ليعلم كل إنسان هل هو مؤمن حقّا أو شاكّ مرتاب ، لأن المؤمنين هم ورثة الأنبياء وتلامذتهم ، وأن الأنبياء لم يورّثوا دراهم ودنانير بل إنما ورّثوا علما وعبادة ، فمن أخذ بهما فقد وفر حظّا جزيلا كما ذكر اللّه جل ثناؤه : « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللّه ذلك هو الفضل الكبير » وقال اللّه تعالى : « ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم » . فصل واعلم يا أخي ، أيدك اللّه ، أن نعم اللّه كثيرة على الخلق لا يحصى عددها ، ولكن نذكر طرفا مما يخصّ الإنسان وهو نوعان : أحدهما من خارج الجسد كالمال والقرين والولد ومتاع الدنيا أجمع ، والآخر داخل فهو نوعان : أحدهما في الجسد كالصحة وحسن الصورة وكمال البنية والقوة والجلد وما شاكلها ، والآخر في النفس وهو نوعان : أحدهما حسن الخلق والآخر