إخوان الصفاء
47
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
سخف الرأي وتضييع المال وترك النظر في العواقب ، ويعتقد السخيّ في البخيل النذالة والدناءة وصغر النفس وقصور الهمّة ، فإذا وقع بينهما ودام ، صارت وحشة وتواترت ، حتى تصير عداوة ، وتصير العداوة إلى الصرامة . وهذا القياس في كل خلقين مختلفين متضادّين ، فإنهما يوجبان المنازعة ، والمنازعة توجب المغالبة ، والمغالبة تنتج المغايظة ، والمغايظة توجب المباغضة ، والمباغضة ضدّ الصداقة . فصل واعلم أن مثل اتخاذ الأصدقاء والإخوان كمثل اكتساب المال والذخائر ، وذلك أن من الناس من يفني عمره في طلب صديق موافق فلا يجد ، فمثله كمثل الذي يفني عمره في طلب جمع المال فلا يقدر عليه . ومنهم من يكون مرزوقا من كثرة المال ، ومنهم من يحسن أن يكسب المال ولكن لا يحسن أن يحفظه . فهكذا حكم اتخاذ الإخوان والأصدقاء ، ومنهم من لا يحسن حفظهم ومراعاة أمورهم ، فيصيرون إلى العداوة بعد الصداقة ، وإلى المباغضة بعد المودة . فينبغي لك أن يكون أكثر كدك وعنايتك ، بعد اتخاذ الصديق ، حفظه ومراعاة أمره وأداء حقوقه ، حتى لا تصير الصداقة عداوة بعد طول الصّحبة بملالة أو ضجر أو شكوك أو ظنون أو شبهة تدخل في المودة ، أو نميمة ووشاية من مخالف له يسعى بينكما للفساد . فتفقّد يا أخي هذا الباب ولا تغفل عنه . واعلم يا أخي أن الإنسان كثير التلوّن ، قليل الثبات على حال واحد ، وذلك أنه قلّ من الناس من تحدث له حال من أحوال الدنيا ، أو أمر من أمورها من غنى إلى فقر ، أو من فقر إلى غنى ، أو من حضر إلى سفر ، أو من عزوبة