إخوان الصفاء

457

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

بل سائر العالم الأصغر في ذلك أعجب بما فيه من تركيب العقل والفهم وقوتهما ، ولو أن العالم الأصغر أبطل هذه النيرنجات المعمولة وقطعها في فهمه ، لكان حريّا بذلك لتمام تركيبه وكمال خلقه ، كما أنه لو عملت نيرنج العالم الأصغر وأحس منك بذلك ولم يستشعر أنه عامل بطل فعلك فاعرف هذا . فقلت له : هل بقي في هذا الباب ما لم يأت عليه الشرح في هذا المعنى ؟ فقال : وليس قدر ما ذكرنا إلّا كقدر قطرة من بحر ، وإن في علم روحانيات الكواكب ومعانيها ، ومعرفة أوقات العمل لها ولباسها ودخنها ، والكلام الذي يحتاج لكل واحد منها ، وما يظهر من أفعالها لمن وقف بمعرفة علمها ، عجبا عجيبا ؛ فأقلّ ما في ذلك العلم أنه من التمكن أن يؤدي العالم الأصغر في منامه ما تدوم من جهته ، فينقاد إليك خاضعا طالبا أن يرى إقبالك عليه وقبولك ما يبذله لك سعادة عظيمة . وغير ذلك مما شاهدت من عجب هذا العالم أني كنت بجزيرة أوال « 1 » ، وكان بها رجل من المتصلين بحبل اللّه عالما بهذا العلم ، فقصدته زائرا ، فرأيت قوما من أهل البلد قد دخلوا عليه وشكوا إليه غمّهم بمحبوس لهم قد حبسه أمير البلد في جناية جناها ، قالوا : قد طرحنا أنفسنا على الوزير والحاجب وخواصّ الأمير فلم ينفعنا ذلك ، وقد بذلنا له من الرشوة بحسب طاقتنا فلم يقبل ، وقد ذكر لنا عنه أنه قال لا بدّ لي من قتله . فأطرق ذلك الفاضل إطراقه ثم رفع رأسه وقال : الليلة في آخرها صاحبكم عندكم ، فامضوا ولا تشعروا أحدا بما ألقيته إليكم ، فخرج القوم من عنده . فقلت له - على طريق الملاعبة : قد أوحي إليك أن الأمير الليلة يطلق هذا المحبوس ؟ قال لي : سوف ترى ! فقلت : ولا يجوز أن يطلقه غدا ؟ فقال : إن تأخّر إطلاقه الليلة لم يصحّ إطلاقه إلى ستة أشهر وكسر ، وإنما قد

--> ( 1 ) أوال : جزيرة بناحية البحرين .