إخوان الصفاء
413
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الأجساد وعالم الكون والفساد . ونريد أن نبيّن في هذه الرسالة من قسم الصنائع الطبيعية ما إن وصلت إليه وقدرت عليه ، نلت أعلى الحظوظ منها ، ورقيت أعلى درجاتها وأجلّ طبقاتها . وقد أكثرت الحكماء من القول فيه والإشارة إليه والدّلالة عليه في جميع اللغات ، والناس جميعهم طالبون له ، وفيه راغبون ، وليس بأحد من العالم غنى عنه ولا إياس منه ، وهو الطّلّسم المنصوب لعمارة الدنيا ، والجوهر المحبوب ، والمعدن المطلوب ، وهو المغناطيس الأكبر ، والكبريت الأحمر ، وبه يتفاخر أهل الدنيا ، وعليه يتحاربون ، وعلى جمعه وادّخاره يتكالبون ، وعلمه مما دونه من المعادن يستخرجون ، ويطلبون الوقوف على كيفية استخراجه من الأجسام المنطرقة وانفصامه عنها وتخليصه منها ، وتحويل كيانه إلى كيان غيره ، وانتزاع لون من لونه ، وإقلاب الأعيان في كونه ، حتى يكون ما هو دونه في منزلته ولاحقا بالتدبير الواقع به إلى درجته ، وواصلا إلى مرتبته ، ومشاركا له في فضيلته ، إذا حصلت له صورته المضيئة ورؤيته البهيّة ، إذا نقي وصفا ، صفا من شوائب التغيير بما ينبغي له من التدبير . ونريد أن نأتي بفصل نذكر فيه شيئا من ذلك مما رمزت به الحكماء ، وأشارت إليه العلماء ، وتتدبره بنفسك الطاهرة ، وأنوارك الظاهرة ، وروحك المضيئة الصافية من نجاسة المعصية ، لعلك تفوز بمعرفة سر الطبيعة ، فتزهد فيها بعد القدرة عليها والوصول إليها ، فإن الزّهادة فيها ، عند القدرة والاستطاعة والتمكن منها ، هي أحسن وأزين من الزّهادة فيها والمرء محال بينه وبينها . وعند ذلك تكمل تلك الصورة الصافية فتصير كالمرآة الصقيلة التي تتراءى في جوهرها الصّور المسامتة لها بما هي به ، لا مضادّة ولا متباينة ولا مختلفة ، فيتحير الناظر فيها بما يراه منها ، غير شاكّ في صدقه ولا مرتاب بحقه . بلّغك اللّه تعالى وإيانا إلى غاية الصفاء ، وأنار نفوسنا بوضوح