إخوان الصفاء

407

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن العلوم كثيرة لا يحيط بجميعها إحاطة إلا من له الخلق والأمر ، ولهذا قال بعض العلماء بصناعة أحكام الفلك : إني وجدت فيما يستدلّ به على هذه الأمور ستة وثلاثين بابا على عدد وجوه البروج ، وهي ستة وثلاثون وجها ، إذا وضعت مع قوى الكواكب وذكر فيها كواكبها يخرج عن حد رسائلنا هذه . ولو قدرنا على وصف كل دقيقة والإحاطة بمواضعها ، لكنّا مقصّرين عن كثرة ما يوجد في هذا العلم من الصفات المتشابهة والدلالات المختلفة . فإذا كان التقصير والعجز يلزمنا فيما يحدث في هذا العالم الأرضيّ والمركز السّفليّ ، فكيف لا يلزمنا التقصير والعجز في معرفة ما يحدث في العالم السماويّ والمكان العالي ، بل اضعاف ما يلزمنا فيما دونه . والبرهان على ذلك أنّا لا نجد الاتفاق في أكثر الأشياء ، بل الاختلاف والتضادّ أكثر من الاتفاق في الفروع . فأما الأصول فمتفقة غير مختلفة ، ولكن القوى التي تصدر عنها والأجناس التي تظهر فيها ، وما يتركب من الأجناس من الأنواع ، وما يتفرّع من الأنواع إلى الأشخاص ، وما يختص بالأشخاص من الصفات المتباينة ، والألوان المختلفة ، والهيئات المتفاوتة ، في الصغير والكبير ، والطويل والقصير ، والكون والفساد ، وغير ذلك مما هو موجود في الأجسام والأجسام . وإذ قد ذكرنا من السّحر ما يعمل به بواسطة العقل ، وهو البيان والكشف عن حقائق الأشياء ، وهو ما نطقت به الأنبياء بعلمه ، وأتت به الحكماء من الكتب المنزلة والآيات المفصّلة ، وما يظهر من السحر بواسطة النفس ، وهو الاطّلاع على ما كان وعلى ما يكون في ابتداء الأعمال والمعرفة بما يحدث في العالم من الأحوال والأفعال ، والقول بها والحكم عليها وبما يكون فيها ، ويختصّ بهذا العلم أصحاب الحكمة الفلكية والعلوم النجوميّة .