إخوان الصفاء

394

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

حازوا الفضيلة الإنسانية ، ولذلك سمّيناهم إخواننا الفضلاء ، وأرجو أن تكون منهم لسعيك واجتهادك في المعارف . فصل اعلم ، أيدك اللّه تعالى ، أنّا نحب لإخواننا ، أيدهم اللّه ، ما يكون به صلاح شأنهم واستقامة أمورهم في دينهم ودنياهم . ولما كان ذلك أكثر أغراضنا منهم بسطنا لهم هذا الكتاب ، وأوردنا فيه معرفة مبادئ الأعمال والصنائع العلمية والعملية بحسب ما قدرنا عليه بتوفيق اللّه تعالى ، والذي حملنا على ذلك هو أننا لم نقتصر على علم واحد وصناعة واحدة ، لأنّا علمنا اختلاف طبائع الناس وجواهرهم ، وما يشتاق كل واحد منهم إليه بما يوافق طبيعته ويناسب جوهره من الصنائع وما أوجبه مولده له . وذلك مثل اختلاف شهواتهم ومآكلهم ومشاربهم وجميع أحوالهم ، فجعلنا في رسائلنا هذه من مبادئ الصنائع والمعارف والعلوم ما يكون معينا للمبتدئ ، ورياضة للمتعلم ، ولم ندّع فيما قلناه ، ولا تعدّينا فيما وضعناه ، لأن الواجب علينا والعلماء أن نمحض النصيحة لإخواننا في المقدار الذي وصل إلينا من العلوم واستنبطناها ، ولا أنّا قد أحطنا بكليات العلوم والصنائع بأسرها ، ولأن هذه المقدّمات التي أوردناها والعلوم التي ذكرناها نحن والمستخرجين لها من ذواتنا إنما أخذناها من كتب الحكماء والمتقدمين ما كان منهم من الصنائع العلمية ، وما كان من العلوم الحقيقية والأسرار الناموسية ، فمن خلفاء الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، وأصحابهم والتابعين لهم بإحسان . وكثير من الصنائع لم نذكرها ، وكثير من العلوم لم ننبّه إليها ولم نصل إليها ولا خطر بأوهامنا معرفة كنهها ، وفوق كل ذي علم عليم . لكنا أرشدنا إليها وأمرنا لإخواننا بالاجتهاد في الطلب والسعي في الاكتساب لما به يكون الصلاح في معيشة الدنيا والآخرة .