إخوان الصفاء

39

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

أظافيره ، وألبسوه الجدد ، وبخّروه وزيّنوه ، وحملوه على دابة ، وأدخلوه المدينة . فلما رآه أهل تلك المدينة استبشروا به ، وجعلوا يسألونه عن أصحابه وسفرهم وما فعل الدهر بهم ، وأجلسوه في صدر المجلس في المدينة ، واجتمعوا حواليه يتعجبون منه ومن رجوعه بعد اليأس منه ، وهو فرحان بهم وبما نجاه اللّه ، عزّ وجلّ ، من تلك الغربة وذلك الغرق ، ومن صحبته تلك القرود ، وتلك العيشة النكدة ، وهو يظن أن ذلك كله يراه في اليقظة . فلما انتبه إذا هو في ذلك المكان بين تلك القرود ، فأصبح حزينا منكسر البال ، زاهدا في ذلك المكان ، مغتمّا متفكرا راغبا في الرجوع إلى بلده ! فقصّ رؤياه على أخ له ، فتذكر ذلك الأخ ما أنساه الدهر من حال بلدهما وأقاربهما وأهاليهما والنعيم الذي كانوا فيه ، فتشاوروا فيما بينهم وأجالوا الرأي وقالوا : كيف السبيل إلى الرجوع وكيف النجاة من هنا ؟ فوقع في فكرهما وجه الحيلة بأنهما يتعاونان ويجمعان من خشب تلك الجزيرة ويبنيان مركبا في البحر ، ويرجعان إلى بلدهما . فتعاقدا على ذلك بينهما عهدا وميثاقا أن لا يتخاذلا ولا يتكاسلا ، بل يجتهدا اجتهاد رجل واحد فيما عزما عليه . ثم فكرا أنه لو كان رجل آخر معهما ، لكان أعون لهما على ذلك ، وكلما زاد عددهم يكون أبلغ في الوصول إلى مطلبهم ومقصدهم ، فجعلوا يذكّرون إخوانهم أمر بلدهم ، ويرغّبونهم في الرجوع ، ويزهّدونهم في الكون هناك ، حتى التأم جماعة من أولئك القوم على أن يبنوا سفينة يركبون فيها ويرجعون إلى بلدهم . فبيناهم في ذلك دائبون في قطع الأشجار ونشر الخشب لبناء تلك السفينة ، إذ جاء ذلك الطير الذي كان يختطف القرود فاختطف منهم رجلا وطار به في الهواء ليأكله . فلما أمعن في طيرانه تأمّله ، فإذا هو ليس من القرود التي اعتاد أكلها ، فمر به طائرا ، حتى مرّ به على رأس مدينته التي خرج منها ، فألقاه على سطح بيته وخلّاه . فلما تأمل ذلك الرجل إذا هو في بلده ومنزله وأهله وأقربائه ، فجعل يتمنى لو أن ذلك الطير يمرّ في كل يوم ويختطف