إخوان الصفاء
332
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل اعلم أيها الأخ ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن العلماء العالمين بعلم النجوم والهيئة وحوادث الجو ، وأصحاب الفال والكهانة والزجر وحدوث الروحانيات ، وأصحاب عمل الطّلّسمات والعلامات والآيات والخبايا وما شاكلها ، فإنهم لا يتهيّأ لهم ذلك إلّا بعد معرفتهم بالأصول وما يبدو منها من الفروع . فإذا صح لهم ذلك عملوا بحسب ما ينبغي لهم أن يعملوه من هذه الأشياء ويخبروا به بالدلالة على ما يكون منه ويحدث عنه ، وهم في ذلك متباينون في الدرجات ، متفاوتون في الطبقات بحسب اجتهادهم في التعليم ومداومة العلم ومجالسة العلماء ، ومرافقة الحكماء ، والاشتغال بالدروس في الكتب الموضوعة فيها ، والتبحّر فيها بصفاء الذهن وإعمال الروية ، واستقراء ما كان ، ليحكم به على ما يكون ، ومعرفة مواليد السنين وموافقتها في الحساب والنّسب ، ومعرفة التواريخ والبدايات وما يكون في ابتداء الأعمال من الطوالع ، وما يوجب دوام ذلك ، وما يوجب الكواكب الثابتة وزواله وتغييره بانتقالها من مثلّثة إلى مثلّثة ، واجتماعات الكواكب ونظر بعضها إلى بعض ، وارتفاعها في أوجاتها وترقّيها في درجاتها ، وهبوطها في حضيضها . فإذا نظروا نظر التأمل والاستقراء لواحد واحد منها ، كان من له ذلك قريبا من الإصابة في أحكامه . فإذا وقعت له الإصابة وذاق حلاوتها ، فما أقلّ ما يخطئ ، فإنه بالإصابة تقوى بصيرته ويزيد في سعيه واجتهاده ويستحلي الظفر بالصدق ، ويحرص على أن تكون أقواله صادقة وأحكامه صحيحة ، فعند ذلك يبرع في العلم على أقرانه ويصير رئيس أهل زمانه ، فتكشف له الأسرار ، وتصير ما بين يديه جليّة لا يغيب عنه شيء منها ، ويصير بنفسه الزكية ورويته الفكرية وتخيّله الصادق كالفلك المحيط المطّلع على ما دونه ، فهو يخبر بما يكون قبل أن يكون في أقرب نظر وأيسر ملاحظة ، ثم كذلك من دونه كما وفّق له ورزق الظفر به .