إخوان الصفاء
329
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
في جميع الأعمال الأرضية وما يعرض في الأجسام الطبيعية ؛ فإذا عرف من ذلك بحسب ما وفّق له وأحكمه وعرفه ، فحينئذ وجب له التقدم إلى العليل ، فإذا رآه وعرف علته وسأله عن بدايتها وسمع كلامه ، إن كان ذا سلامة في عقله ، وإن عدم ذلك ، نظر في شواهد أدلته وما يبدأ منه من علته ، فإذا صحّ له ذلك ، نظر في مولد العليل ، فإن عدم ذلك ، نظر في الطالع الذي دخل عليه ، فإذا رآه يوجب السلامة نظر في بيت الحياة ، فإن صحّ له ذلك ، أقدم على دوائه بنفس واثقة بسلامته ، وأخذ في تلطفه في دوائه الذي يصلح لتلك العلّة غير شاكّ بزوالها وغير يائس من برئها ، فيقوى على العمل بالعلم ويكون في فعله ذلك تابعا لأعمال الحكماء وأفعال الأنبياء ، لأنهم لم يدعوا إلى اللّه ، عز وجل ، ولم يظهروا ما علموه حتى عرفوا الأصول وموجباتها والقرانات وأحكامها . فلما تحققوا ذلك علموا مراد اللّه ، سبحانه ، من خلقه معرفته ، وتوحيده وعبادته ، وأنه ، عزّ اسمه ، لذلك خلقهم وبسببه أوجدهم . وأي نفس عدمت ذلك كانت ناقصة غير كاملة ، ومريضة لا سالمة ، فوجب عليهم التقدم إلى أصحاب العلل النفسانية في الأوقات التي أوجبت لهم التقدم إليهم والتحنن عليهم ، وعلموا أن دواءهم ينفع ، وعلاجهم ينجع ، مثل ما فعل الطبيب الحاذق بأهل المدينة التي دخلها ، المذكورة قصّته في رسالة اعتقاد إخوان الصفاء . فعند ذلك دعوا إلى اللّه سبحانه بالتذكر والموعظة الحسنة من إقامة الدين وسنّة الناموس ، وما أوجبه ذلك الزمان ، وحكم بذلك تأثير القران ، وكانت أدويتهم وعقاقيرهم التي تفعل في أمراض النفوس مثل ما تفعل الأدوية والعقاقير في الأجسام ، بما أظهروه من الآيات وعملوه من المعجزات إعذارا وإنذارا وتخويفا ، ومنعوا من أشياء كان الناس يعملونها ، وحذّروا منها وحرّموها على فاعلها ، كما يفعل الطبيب بالعليل من منعه من المآكل الرديئة والأشربة وما يكون به قوّة الداء وضعف الدواء ، كما قال ، عزّ