إخوان الصفاء

327

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وزاد بهما جموح الطّغيان ، واستحوذ عليهما الشيطان ، فأنساهما ذكر الرّحمن ، فصارا أعداء للحكماء وأضدادا للعلماء . وكتب الحكيم إلى الشيخ يأمره بالتنحي عنهما والبعد منهما خوفا عليه من شرهما . ففعل ذلك . وأقبلا على تناول أمور الدنيا وشهواتها وفارقا السّحر الحلال الذي أنزل عليهما وأمرا بفعله وعمله وكان به نجاة من نجا ، ورجعا إلى السّحر الحرام فضلا وأضلا . وهذا حديث يدل على حالة الملكين هاروت وماروت وما كان من أمرهما وهبوطهما من السماء إلى الأرض ، ومفارقتهما جوار ربهما والملائكة الذين كانوا معهما ، كمفارقة إبليس للملائكة باستكباره وعصيانه ، ومفارقة آدم للجنة التي كان فيها بما كان من خطئه ونسيانه . فهذا بيان ماهيّة السّحر والسحرة والعمل به وكميّة أقسامه ، وما الحقّ منه وما الباطل بحسب ما احتمله البيان واتّسع له الإمكان . فصل واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن مداواة العلل الحالّة بالأجسام ، والعلم بذلك من أجلّ المعلومات الطبيعية والمعارف الجسمانية كما قال النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : العلم علمان : « علم الأديان وعلم الأبدان » وهو أيضا ضرب من السحر الحلال ، لأنه قلب العادة من حال الفساد إلى الصلاح ومن النقصان إلى التمام . والسحر الحرام منه ما كان الضد من ذلك كإدخال الفساد على الأجسام ، وما يكون تافها ، وفساد أمزجتها وانحلال طبائعها مثل ما يعمل بالسموم القاتلة وما يتّخذ لذلك من الأدوية والعقاقير الفاعلة بخصائصها ، وما تفعله في الأجسام من العلل والأسقام ، فكل من فعل