إخوان الصفاء
305
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
رئيس الكهنة من الأخذ على الأحداث ، شرع في إسماعهم السر ، وذلك أن لهم صنفين من الكلام ، كلّ واحد أطول من سور القرآن الطوال : أحدهما يسمونه سر الرجال ، والآخر يسمونه سر النساء . فسر الرجال لا يسمعه إلّا الرجال ، وسر النساء لا يسمعه إلّا النساء ، والسرّان جميعا متساويان في عدد الألفاظ والحروف . وإن ألفاظهم جميعا إذا نثرت ثم نظمت نظاما تكون فيه كلّ كلمة أحدهما بين لفظتين من الآخر ، حدث منهما تأليفات كثيرة ، وإنه يكون في جملة تلك التأليفات أربعة تأليفات ، كل واحد منها يتضمن قوانين وبراهين علم من العلوم الأربعة التي أحدها الطّبّ الذي تصحّ به الأجسام وتنفى به الأسقام والآلام ، ويتمكّن من الانتفاع بسكنى الدار . والثاني علم الكيمياء الذي به يدفع الفقر ويكشف الضرّ . والثالث علم النجوم وأحكامها الذي به يطّلع على ما يكون قبل أن يكون . والرابع علم الطّلّسمات الذي به يلحق الرعية بطبيعة الملوك ، والملوك بطبيعة الملائكة . والذي يمنع من كشف هذه العلوم وبذلها للجمهور من العامة ما يتخوّف به على الخاصة ، إذ كانت العامة ، بما هي عليه من الضعف في الهمة وقلة العلم وقوة الشر بسوء الأخلاق وقبح العادات ، ينهمكون في الشهوات كيف كانت ، ويتناولونها من أين وجدت ، ولا يراعون في ذلك رجوعا إلى دين ومروءة ، ومعرفة بالواجبات والمحظورات ، فيفسد بذلك الترتيب المحمود ، ويخرج عن الحد المعروف ، إذا دخل العامّيّ إلى معرفة علم الكيمياء ، مثلا إذا أنفق ما ينفقه فيما لا يحصل إلّا فيما أباحته له الشريعة . وهكذا إذا علم ما لا يجوز أن يعلم من علم الطب من الشّمومات والخواصّ التي هي قوى الأدوية من المعادن وغيرها . فينبغي أن يصان أيضا هذا العلم عمن لا يستحقه ، ويمنع عمن ليس هو أهلا لاستعماله . فإنه إذا علم العامي الذي تقدم ذكره