إخوان الصفاء
298
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
النوع الذي حظه من ذلك الخلق المقدار الذي عليه قد مات ، ويشبه أن يكون هذا المسلك عكس مسلك صاحب الفراسة ، لأن هذا المسلك يتطرّق فيه من الخلق إلى استخراج الأخلاق ، وفي كل جثة تحلّها وطينة تخصها ، يخلط لها النعيم بالعذاب والألم باللذة ، ليكون ذلك خدعة لها ورباطا بطول مدة تعلّقها بها ، حصلت فيه من محبسها إلى أن يستوفي منها ما حصل عليها وتفي ما لها « وما اللّه بظلام للعبيد » . فهذا الذي قد ذكرته كلّه وحكيته عنه من أصولهم ومقدمات علومهم في تصحيح مذهبهم في السحر والطلسمات . وإن كنت تركت أكثر مما ذكرت ، وأسقطت أكثر مما حكيت تجنبا للإكثار ، وطلبا للاختصار ، فإني تركت ذكر ما عندهم في ذلك مما يجري مجرى ما قد ذكر في كتاب الخواص كفعل المغناطيس وغيره من الخواص ، فإني تركته لظهوره . غير أني أذكر جملة أخرى لتقف منها أيها الأخ ، أيدك اللّه ، على جميع أغراضهم وتصوّر أحوالهم في مطلوبهم ، وأنهم أيضا زعموا أنهم لما استقرت عندهم هذه المقدّمات ، وأنسوا بها ، وطال خوضهم فيها ، فرّعوها وبنوا عليها وقالوا : فإذا كان هذا الذي تقدم ذكره مستقرّا مستمرّا ، وكانت الكواكب والنفوس المستعلية على الأجسام بهذه الحال من العلم والقدرة ، وكانت هذه هي المواتية لنا والمستعلية علينا ، فإن الحاجة تضطرنا إلى التقرب إليها والتضرع لها في إصلاح ما فسد فينا ، وتسهيل ما عسر علينا ، وتسديد ما عدل عن الصواب من أفكارنا وآرائنا ، ليحصل لنا بذلك أمران : أحدهما طيب العيش في الدنيا ، والثاني التمكن من الإخلاص إلى الآخرة . وكانوا إذا أرادوا التقرب إلى كوكب أو إلى نفس منها ، عملوا الأعمال التي قد وقع لهم أنها موافقة لطبيعته ، وسألوا عند ذلك حاجتهم التي هي داخلة تحت قدرته ، ويقولون : إنهم إذا عملوا صنفا من أصناف الأعمال الطبيعية ، وتقربوا بها إلى الكوكب المراعي لها من غير تعرّض لشيء مما يتعلق على أحكام