إخوان الصفاء

297

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وتتعلق بها عند مرضها وتلتذ وتعذب بها وفيها ، وهذه النفوس الإنسانية البشرية . وهم يزعمون أيضا أنهم يمكنهم أن يعلموا ما ذا تؤول إليه عاقبة الإنسان بعد وفاته إذا فارق الدنيا وهو على ما يشاء قدير من حاله . وذلك أن لكل واحد من الآراء والديانات تصنيعا بالمعتقد له إلى صنف ما من صنوف الأخلاق ، وتحركا إلى فن من الفنون في الأعمال كالمذهب الذي يشتد توحش أهله وتقشفهم ، والمذهب الذي يكثر الجدل فيه والمنافرة ، والمذهب الذي يكثر فيه قتل النفوس وأخذ الأموال ، والمذهب الذي يفرط فيه ذبح الحيوانات وأكل اللحوم إلى غير ذلك من المذاهب الآخذة من الانهماك في شيء من الأعمال ؛ فإن هذه الأعمال إذا كثرت من الإنسان ألبسته من الأخلاق بما توجبه عادته التي قد دام عليها وعرف بها . وزعموا أيضا أن كل صنف من أصناف الأخلاق ، وإن كان موجودا في الناس ، فإنه في نوع ما من أنواع الحيوانات أقوى وأظهر ، وذلك أن الشجاعة في الأسد ، والختل في الذئب ، والرّوغان للثعلب ، والحرص للخنزير ، والسلامة للحمار ، والذّلّة للبعير ، والسهو للوزغة « 1 » ، واللجاجة للذّبابة ، والخنا للدب ، والولع للقرد ، والظّلم للحية ، والسّرقة للعقعق ، والاختطاف للبازي ، والفزع للأرنب ، والاحتضار للظبي ، والغلمة للتيس ، والزّهو للطاوس ، والغدر للغراب ، والنسيان للفأرة ، والاحتكار للنملة ، والممارسة للكلب ، والمواثبة للديك . وأشباه ذلك من لوازم الأخلاق لأصناف الحيوانات ؛ وكل خلق من هذه الأخلاق مشترك فيه عدة من أنواع الحيوانات ، ويختلف فيه بالقلة والكثرة فيكون كل مقدار من هذه مقصورا على نوع من الأنواع . فإذا كان الإنسان ، وهو على حدّ ما من تلك الحدود ، انتقل إلى ذلك

--> ( 1 ) الوزغة : هي ما يعرف بسامّ أبرص ( أبو بريص ) .