إخوان الصفاء

294

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فلسطين لمحاربته ، فجمع العرّافين لهم ، ودخل الرعب من كثرة الجيوش المنصبّة عليه ، ولم يجد من يسكن إلى قوله كعادته من نبي ولا ساحر ولا عرّاف ولا حاكم ، فقلق لذلك وقال لخاصته : اطلبوا لي ساحرا أسأله عن عاقبة أمري . فدلّ على ساحرة ، فسكن إليها وسألها أن تحيي له نبيّا يسأله . فسألته أي الأنبياء يختار أن تحييه . فاختار شمويل فأحيته ، وفزعت عند رؤيته فصرخت . فقال لها طالوت : لا تفزعي ، ما ذا رأيت ؟ فقالت : رجلا شيخا بهيّا مثل ملائكة الرب ، مشتملا ببرنس قد صعد من الأرض . فعلم طالوت أنه شمويل أرسله اللّه ، فدخل إليه وسجد بين يديه . فقال شمويل : يا طالوت ، لم أرجعتني وأحييتني ؟ قال : لما ضاقت بي الأرض من أهل فلسطين ومحاربتهم إياي ، وزوال عناية اللّه عني ، ومنعه الأحلام مني ، فدعوتك لأشاورك في أمري . فقال شمويل : إن اللّه تعالى قد نقل الملك إلى صاحبك داود ، وغضب عليك وعلى بني إسرائيل بما فعلتموه في مواشي العماليق ، وهو ناصر فلسطين عليكم ومديلهم منكم ، فتصير معي غدا في الأموات . فخرّ مغشيّا عليه وعرفته الساحرة ، فأقبلت إليه ومن كان معه ، ولم يزالوا به حتى أفاق وأضافهم ليلتهم وانصرفوا مصبحين . فالتحمت الحرب فوقعت الهزيمة على العبرانيين ، فأكثر القتل فيهم ، وقتل لطالوت ثلاثة بنين ، واتكأ هو على حربته ، فأخرجها من ظهره ، فاجتمع بنو إسرائيل على تمليك داود فدافع بهم من ناوأوهم . فهذا كله أيضا أيها الأخ قد وردت به الأخبار ، فمنها ما هو من جهة الفلاسفة ، ومنها ما هو من جهة الأنبياء وكتب الشرائع ، ومنها ما هو مذكور في القرآن من ذكر السحرة بما قد حكيناه فيما تقدم . أفترى هذا كله كذبا لا أصل له ، وسخفا وحماقة ممن يذكره عند هؤلاء المتعجبين المنكرين بأنفسهم ، المكذّبين بما يسمونه بجهلهم ، تكبرا منهم وتيها وصلفا ، لقلة عقولهم ، وقصر علومهم ، وقصورهم عن نيل العلوم الحقيقية ،