إخوان الصفاء
281
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
من الفضائل الإنسانية . وأما باقي أنواع الحيوانات فما بين هاتين المرتبتين . وإذ قد فرغنا من ذكر مراتب الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية فنريد أن نذكر أولا رتبة الإنسانية مما يلي رتبة الحيوانية : اعلم أن أدون رتبة الإنسانية التي تلي الحيوانية هي رتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلّا المحسوسات ، ولا يعرفون من الخيرات إلّا الجسمانيات ، ولا يطلبون إلا صلاح الأجساد ، ولا يرغبون إلّا في زينة الدنيا ، ولا يتمنون إلّا الخلود فيها مع علمهم أنه لا سبيل لهم إلى ذلك ، ولا يشتهون من اللذات إلّا الأكل والشرب مثل البهائم ، ولا يتنافسون إلّا في الجماع والنّكاح مثل الخنازير والحمير ، ولا يحرصون إلّا على جمع الذخائر من متاع الدنيا يجمعون ما لا يحتاجون إليه كالنمل ، ويحبّون ما لا ينتفعون به كالعقاعق « 1 » ، ولا يعرفون من الزينة إلّا أصباغ اللّباس مثل الطاوس ، ويتحاربون على حطام الدنيا كالكلاب على الجيف ! فهؤلاء وإن كانت صورتهم الجسدانية صورة الإنسان فإن أفعال نفوسهم أفعال النفس الحيوانية والنباتية . فصل وأما الرّتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة فهي رتبة الذين انتبهت نفوسهم من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، وانتعشت بحياة العلوم والمعارف ، وانفتحت لها عين البصيرة فأبصرت بنور قلوبها ما كان غائبا عن حواسّها من الأمور الروحانية والموجودات العقلية ، وشاهدت بصفاء جوهرها عالم الأرواح ورأت بعين اليقين أصناف الخلائق الذين هم هناك ، وهي الصورة المجرّدة عن الهيولى الجسمانية وهي أجناس الملائكة وجنود ربك من الروحانيين والكرويّين ،
--> ( 1 ) العقاعق : جمع عقعق ، وهو غراب أبقع طويل الذنب سمي بحكاية صوته .