إخوان الصفاء

275

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

حتى إذا بلغ إلى أقصى غاياته ومنتهى نهاياته رجع عند البلى والفساد إلى ما تكوّن منه . بيان ذلك أن النبات يمتص بعروقه لطائف الأركان ، ويصير ورقا وحبّا وثمارا يتناولها الحيوان ليتغذى ، ثم يستحيل في أبدان بعضها لحما ودما ، وبعضها يخرج ثفلا وسمادا ، ويردّ إلى أصول النبات ليتغذى منه ويصير حبّا وثمارا ثانيا ، ويتناوله الحيوان . فإذا تأمل هذا من حاله وجد كأنه دولاب دائر . وأما أجسام الحيوان فإنها كلها تعود إلى التراب وتبلى وتصير ترابا ، ويكون منها نبات ، ومن النبات حيوان ، كما بيّن قبل . فإذا تأمل ذلك وجد أيضا كأنه دولاب يدور . وأما أحوال البشر إذا اعتبرت فكلها دائرة كالدولاب ، وذلك أن الإنسان يبدو كونه من النّطفة ، ثم ينشأ وينمو ويتم ويبلغ إلى أن تتولد منه النّطفة ، فيشتهي العود إلى حيث خرج لقضاء شهوته ونتاج مثله . وكذلك بدأ كونه ناقص القوة ضعيف البنية ، ثم يرتقي ويتزايد إلى أن يبلغ إلى الأشدّ ، ثم يبتدئ في الانحطاط والنقص إلى أن يردّ إلى أرذل العمر كما كان بديّا كما ذكر تعالى فقال : « لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك اللّه أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون » وكما قال سبحانه : « خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلّقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا » وقال : « واللّه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا » .