إخوان الصفاء

267

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في العيد الثالث فإذا نزلت أول دقيقة من برج الميزان استوى الليل والنهار مرة أخرى ، ودخل الخريف ، وطاب الهواء ، وهبّت رياح الشّمال ، وتغير الزمان ، ونقصت المياه ، وجفّت الأنهار ، وقل ماء العيون ، وجف النبات ، فيكون ذلك اليوم أيضا يوم عيد ، فيدخلون إلى الهيكل المبني لذلك اليوم ويكون استعمالهم من الأكل ما يوافق طبيعة ذلك اليوم والزمان ، ومن نشر العلم ما لاق به ، ولا عيد لهم بعده إلى أن تبلغ الشمس آخر القوس أول الجدي . فصل العيد الرابع يتناهى طول الليل وقصر النهار ، ويأخذ الليل في النقصان ، والنهار في الزيادة ، وينصرف الخريف ، ويدخل الشتاء ويشتد البرد ، ويسخن الهواء ، ويتساقط ورق الشجر ، ويموت أكثر النبات ، وتنحجر الحيوانات في أعماق الأرض وكهوف الجبال من شدة البرد . فإذا كثرت الأنداء ونشأت الغيوم ، وأظلم الهواء ، وكلح وجه الزمان ، هزلت البهائم وضعفت قوى الأبدان ، ومنع الناس التصرّف والاجتماع بعضهم من بعض ، ويمرّ عيش أكثر الحيوان . وكانت الحكماء تتخذ هذا اليوم يوم حزن وكآبة وندم واستغفار ، وكانوا يصومونه ولا يفطرون فيه . وإذا تأملت أيها الأخ هذه الأيام الثلاثة في السنة الفلسفية التي اتخذوها أعيادا وأفراحا ، وكان فرحهم الأكبر في الأول منها ، ودونه في الأوسط ، ودونه فيما يليه ، وفي الآخر يوم حزن وكآبة ، إلى أن يستأنف الدور الآخر عند رجوع الشمس إلى أول برج الحمل ، وإذا أنعمت النظر إلى أعياد الشريعة الإسلامية وجدتها موافقة لها ، وذلك أن نبينا ، عليه السلام ، سنّ لأمته في