إخوان الصفاء
25
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
أجل أن الدين بعد لم يتمّ ، والشريعة لم تكمل . فلما نزلت هذه الآية : « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي » تمنى رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، الموت ونزلت : « إذا جاء نصر اللّه والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا » فقال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم : نعيت إليّ نفسي . فقال : يا رسول اللّه ، لو سألت اللّه أن يبقيك في أمّتك إلى يوم القيامة ينتفعون بك . فقال : « إنا للّه وإنا إليه راجعون » أبى اللّه أن يجعل لأوليائه الخلود في الدنيا . ثم قال : « وا شوقاه إلى إخواني الأنبياء ! » ثم ما مكث إلّا قليلا حتى توفي ومضى إلى اللّه ، عزّ وجل ، وأكرم مثواه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وعلى سائر الأنبياء ! فصل واعلم أن الأنبياء وأتباعهم وخلفاءهم ، ومن يرى مثل رأيهم من الفلاسفة الحكماء ، يتهاونون بأمر الأجساد إذ تبعث الأنفس ، لأنهم يرون أن هذه الأجساد حبس للنفوس ، أو حجاب لها ، أو صراط ، أو برزخ ، أو أعراف . وقد فسّرنا هذه المعاني في رسائلنا ، وإنما تشفق النفس على الجسد ما لم تنبعث ، فإذا انبعثت هانت عليها مفارقة الجسد . ومما يدلّ على صحة ما قلنا إحراق البراهمة أجسادهم وهم حكماء الهند . وأما من يفعلون ذلك من جهالتهم وشطارتهم فليس كلامنا ، وإنما نريد أن نذكر المستبصرين منهم الحكماء . وذلك أنهم يرون ويعتقدون أن هذه الأجساد لهذه النفوس الجزئية بمنزلة البيض للفرخ أو المشيمة « 1 » للجنين ، وأن الطبيعة حضنتها وهي تشفق عليها ما لم تستتمّ الخلقة أو تستكمل الصورة . فإذا تمت الخلقة وكملت الصورة ،
--> ( 1 ) المشيمة : محل الجنين .