إخوان الصفاء

238

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فإن آخر المعادن مربوط بأول النبات ، وآخر النبات مربوط بأول الحيوان ، وآخر الحيوان مربوط بأول البشر ، وآخر البشر مربوط بأول مرتبة الملائكة ، وذلك إذا صفا . وإن هذه الدوائر فيها رتب متباينة مقسومة على طبقات ومنازل ؛ وإنها تبتدئ كالنّقطة وتتسع حتى تسير حائطة بعضها ببعض ، وإن الباري سبحانه وتعالى جعل الموجودات كلها مشاكلة بعضها لبعض ، وجعل قصد العالم كله كقصد الفلك الذي يحويه والدائرة التي تؤويه ، كما قال تعالى : « وكلّ في فلك يسبحون » . فصل واعلم أيها الأخ أن الباري سبحانه جعل شكل الفلك كريّا ، لأن هذا الشكل أفضل الأشكال الجسمية من المثلثات والمربعات والمخروطات وغير ذلك ، ولكل شكل من هذه الأشكال ومثل من هذه الأمثال أفعال تصدر عنها وأعمال تكمل منها . فأما ما تختص بالشكل الفلكي والمثل الدّوريّ فهي أعظم الأشكال مساحة ، وأسرعها حركة ، وأبعدها من الآفات والأقطار المتساوية في الوسط . ويمكنه أن يتحرك مستديرا ومستقيما ، ولا يمكن أن يوجد ذلك في شيء غيره ، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أن جعل شكل العالم مستديرا كريّا ، والأفلاك والكواكب كذلك ، لما تبين من فضل هذا الشكل على الأشكال كلها . وكل فلك يظهر فيه من أفعاله فيما دونه بحسب سعة دائرته وضيق ما دونها عن الإحاطة ، فعند ذلك تظهر فيه أفعال المرتب فوقه ، وفي هذا الفعل سر يدل على حكمة المبدع سبحانه ، ومعرفته ، إذ هو محيط بما خلق ، فاعل فيما اخترع ، لا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه .