إخوان الصفاء
215
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المرتبة ، وروحانيات النفس المنحطة من الطرف الأعلى مما يلي العقل ، تختص شرائف روحانيتها ، وكرام ملائكتها بمواليد الملوك ، وأصحاب التيجان وأولي العزّ والرّفعة والسلطان . واعلم أيها الأخ أن النفس ذات طرفين تنحط منها قوّتان : قوّة مما يلي الطبيعة وهي المتحدة بها من الأفعال الطبيعية ، وقوّة تنحط من الطرف القريب من العقل فتتصل بالصورة الإنسانية وتتشكل بالأشكال الفلكية . فعند ذلك يشرق العقل عليها ويصرّفها بهاتين القوّتين وينحط من النفس بواسطتهما من العالم الأعلى ، فالطرف الأعلى ينحط من دائرة الشمس فيختص من الحيوان بالإنسان ، ومن النبات بما طابت رائحته وزكت ثمرته وحسنت صورته ، ومن المعادن بالذهب ، ومن الجواهر بالياقوت . ولها من الأفعال التمام والكمال ، ومن الصفات الإشراق والضياء ، ومكانها من الأرض مواضع الملوك والرؤساء ، وفعلها فيها الطهارة والنقاء ، والطرف الأدنى ينحط بوساطة القمر المرتب في السماء الدنيا ، الموصوف بالزيادة والنقصان ، والأخذ والإعطاء ، والتفريغ والملء ، ونحن نذكر من أفعاله ما يختص به في موضعه إن شاء اللّه . فصل واعلم أيها الأخ أنه ينحط من دائرة الشمس إلى عالم الأرض دائرة لموضع ملائكة تسميها الحكماء روحانيات ، ولهم صفات في الأسرار الناموسية والعلوم الشرعية تليق بهم ، وأفعال تنسب إليهم ، فهم بها معروفون وبما يظهر عنهم فيها موصوفون ، وأفعالهم ما يظهر من الملوك وما يختص بهم - كما قدّمنا ذكره في كل الجهات - وما فيها من النبات والمعادن وجميع الموجودات كل ما قد علا وارتفع قدره وعظم ذكره ، وأفعالها المخصوصة بها وصفاتها المضافة إليها الحياة والحرارة التي تنبثّ من القلب في الجسد ، والاعتدال