إخوان الصفاء

210

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

لا إله إلّا هو رب الآخرة والأولى ، رافع من وحده إلى جنة المأوى ، ومحطّ من جحده إلى قعر جهنم السفلى ، وفعله الخاص ما كان بالأمر عنه . فهذا هو الفعل الخاصّ به ، المنفعل عنه ذوات الخواص المثبتة أسماؤها في السطور المكتوبة في الرّقّ المنشور ، المدرجة في البيت المعمور الذي لا يدخله إلّا المطهّرون ، ولا يسكنه إلّا المحبورون بسعادات أنوار الطاعة الخالصة من المعاصي البعيدة بالقرب من أهل الطغيان ، الفاعلة ما يرد منها ويصدر عنها إلى من دونها صورة بالقوّة لتكون مستقرّة في اللوح . ثم يبرز مثالها حتى يحصل في الدائرة الطبيعية صورة نفسانية متحركة بلا زمان في مكان ، خارجة بذاتها عن الزمان ، منفعلة إليها في زمان ، فهي بذاتها الأول غير داخلة تحت حركة الزمان ، فسبحان خالق الزمان وموجد المكان ومكوّن الكيان ، وله الأسماء الحسنى والأمثال العليا . قال اللّه تعالى : « قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرّحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى » . فهذه الصفات المحيّرة لذوي الألباب والعقول في معرفة الباري ، منها ، سبحانه : بأنه لا يشركه فيها أحد سواه ، وفعله الذي فعله بذاته ، وأوجده بكلماته موجودة في موجوداته ، مسطورة في أرضه وسماواته ، وهي آياته المكتوبة في الآفاق والأنفس ، يتأمل الناظر فيها الواقف عليها الحقّ المبين ويعاين الصّراط المستقيم . فهذه معرفة صفات اللّه ، عزّ وجلّ ، وفعله المخصوص بها بما أوجبه الكلام النّطقي والتعبير اللفظي بالآلة الجسمانية والصورة الإنسانية والملائكة المقرّبين تقديسا وتسبيحا وتمجيدا وتحميدا إلّا هو غير هذا ، وإنما لكل أهل دائرة من العباد ما يصلح لها ويليق بها ، كما أن معرفة الإنسان بباريه هي أرفع وأعظم من معرفة الحيوان ، وحسّ الحيوان بذلك أقوى من حسّ النبات ، وللنبات من الحسّ بذلك أكثر مما للمعادن . فأما حركة الجواهر المعدنية للعبادة ، والإقرار بالمبدع سبحانه ، فهو قبولها