إخوان الصفاء
208
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والحركة بالسكون ، والنور بالظلمة . فكل هذه الموجودات بالصفة في الموصوفين بها مقارنة لأضدادها لا يوصف بها الباري سبحانه ، بل إنه خالق الوجود والعدم ، فصار مخصوصا بالخلقة ، جاعل الموت والحياة ، فصار مخصوصا بالبقاء ، موجد العلم والجهل ، فاختصّ بالعلم . كذلك ما يوجد من أفعال المخلوقين من الروحانيين والجسمانيين والأعمال ، فبحسب الودائع التي فيهم والآثار المفاضة عليهم باستفادة بعضهم من بعض ، حتى يكون سبحانه موجدهم كلّهم ، ومعطيهم الحياة ، ثم لا يكون موصوفا بصفاتهم في المعنى ولا يستحقونها بالشّركة له فيها ، وهم ذوو درجات ومنازل ، ولكل واحد منهم صفة تزيد على ما دونه بها ويتخصص بفضلها ، وذلك موجود لا يخفى على من تأمله كوجود القدرة في الحيوان كلّه من الحسّاس إلى الإنسان ، فإن لكل شخص من أشخاصه قدرة يتميز بها من غيره ، حتى تكون نهايته منها قدرة الإنسان عليها كلها ، إما بقوة جسمانية ، وإما بجبلة نفسانية ، ثم العلم المخصوص به الإنسان المتميز به عن الحيوان ، هم فيه مشتركون لا شركة المساواة بل شركة تنزيه وانفصال واستعلاء في الطبقات ، وترافع في الدرجات ، حتى تكون نهايتهم فيه المعرفة لهم به : النبي في زمانه ، والحكيم في وقته المفاض عليه ذلك من القوة المتصلة به من العالم الأعلى المخصوص بالعلم الذي صلح له به أن يكون معلما لمن دونه . واعلم أن الإنسان المعرّف لهم ، أعني الناس ، بما يحتاجون إليه هو خليفة اللّه سبحانه فيهم ، وأمينه عليهم ، ثم الحياة أيضا مشتركة بين الحيوان كله ، موصوف بالحركة الانتقالية ، وكل حيوان ذو حركة وحياة ، وليسوا هم متساوين لأنهم غير موجودين في حالة واحدة ، وهم ذوو أعمار قصار وطوال وبين ذلك ، حتى يكون المخصوص بالحياة الدائمة من انتقل من صورة الإنسانية إلى صورة الملائكة ، وما دون فلك القمر إلى ما فوق . ثم كذلك صفة الروحانيين والملائكة ، وهم أيضا مشتركون في هذه