إخوان الصفاء
199
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
جانب : « فلهم عذاب واصب إلّا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب » وما في العالم من الكرام الكاتبين ، والحفظة الحاسبين الموكّلين بإنشاء ما يكون من الأجساد ، وعمارة عالم الكون والفساد . فصل اعلم أيها الأخ ، أيدك اللّه ، أن دائرة العقل مرتّبة من أمر اللّه تعالى لا يدركها خاطر نفساني ، وأن الأنوار المضيئة مرتّبة في أفق العقل الكلّي بحيث لا يدركها حس ولا يتناولها لمس . فالدائرة الأولى هي البعيدة عنها أوهام المخلوقين من العالمين الروحاني والجسماني ، اللطيف والكثيف ، وهي موصوفة بالفعل الخاص بها ، الصادر عنها ، وهو العقل الذي عقل ما دونه من مجاوريه ، فرجعت الأوهام قبل بلوغها غايته ، ذاهلة عن بلوغ بعض ما في دائرته وسعة إحاطته ، وهو من الإقرار بإلهيّة خالقه ، وتنزيهه مبدعة وخشوعه له ، موصوف بذلك كصفة ما يبدو من أحد ما بدا عنه ، وتكون منه بمنزلة النفس المشتاقة إليه ، الخاضعة بين يديه ، المرتّبة في أفقه ، المطمئنة به ، المتكلة عليه ، الراجعة إليه . واعلم أن دائرة العقل مشرقة بهيّة ، فهو يتراءى فيها بشدّة صفائها وإشراقها ما يتلألأ من الأنوار الإلهية البادية بالأمر الممجّد عن الوحدة المحضة التي لا تتكثر ولا تزداد ، بل هي منفردة بالوجود والإيجاد ، وإنما يتكثر من ينضاف إليه ما يشاكله ويجانسه ، ويزداد من يحتاج إلى الزيادة ، وإذا احتاج إلى الزيادة لزمه النقصان ، والوحدة المتنزهة عن الصفات البادية بالألفاظ المنطقية ، والتخيلات النفسانية ، والتمثيلات الهيولانية ، لا تتكثر كتكثر واحد الأعداد التي هي الوحدة المتكثرة بما يكون ويبدو عنها ، إذ كانت هي أصل الكثرة ، ومبدأ