إخوان الصفاء

193

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

صوابا ، وأقررت بالحق ، وأنصفت في الجواب ، فخبّرنا عن هذا الجوهر الشريف ، هل يمكن أن يعرف ما هو وكيف كونه مع هذا الجسد باختيار منه أو مضطر أن يكون معه ، أو هل تعرف أين كان قبل أن يقرن بهذا الجسد ، وأين يذهب إذا فارقه ، أو تقول إني لا أدري ، وهل ترضى من نفسك الجهل بهذا المقدار من العلم أن تقول : إن هذا العلم ليس في طاقة الإنسان أن يعمله ، وكيف يسوغ لك هذا القول ، والعلماء مقرّون أجمع وأنت معهم بأن معرفة اللّه واجبة على كل عاقل ، وكيف يستوي للعبد إذا معرفة ربه وهو لا يعرف نفسه ؟ وقد روي عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من عرف نفسه فقد عرف ربه ، أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه » وكيف يستوي لك أن تقول إنك تعرف ربك ولا تعرف نفسك وقال اللّه ، عزّ وجل : « بل الإنسان على نفسه بصيرة » وقال : « وضرب لنا مثلا ونسي خلقه » وقال : « وفي أنفسكم أفلا تبصرون » وقال : « كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا » وقال : « إن النفس لأمّارة بالسوء إلّا ما رحم ربي » وقال : « يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها » وقال : « يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي » الآية . وأنت تعلم أيها الأخ أن نفس الإنسان أقرب إليه من كل قريب فكيف يستوي لك أن تقول لا يمكن أن يعلم الإنسان نفسه ويعلم غيرها من الأشياء البعيدة الغائبة عن حواسه وعقله ؟ واعلم أيها الأخ أنه إنما ذهب على أكثر الناس معرفة أنفسهم لتركهم النظر في علم النفس والبحث عنها ، والسؤال للعلماء العارفين بعلمها ، وقلة اهتمامهم بأمر أنفسهم وطلب خلاصها من بحر الهيولى وهاوية الأجساد ، والنجاة من أسر الطبيعة ، والخروج من ظلمة الأجساد ، ولشدّة ميلهم إلى الخلود في الدنيا واستغراقهم في الشهوات الجسمانية ، والغرور باللذات الجرمانية ، والأنس بالمحسوسات الطبيعية ، ولغفلتهم عما وصف في الكتب النبوية من نعيم