إخوان الصفاء

191

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

أشرنا إليه ، فذلك هو الذي نريده ، وإن توقّف وقال : ما علامة ما يقولون وما تصديق ما يزعمون من الرأي والحديث ؟ فنقول : عندنا دلائل واضحة وبراهين بيّنة وعلامات وشواهد يعلمها من كان ينظر في العلوم كنظرنا ، ويعتبر الأمور كاعتبارنا ، وكان في المعارف بصيرا مثلنا . فإن أراد أخونا الفاضل الكريم فليبعث إلينا ثقة من ثقاته وأمينا من أمنائه ومن أبناء جنسنا ، ومن يشاكلنا في العلوم والمعارف ، ومن يحاجّنا على ما نقول ويناظرنا على ما نشير إليه ، ليتضح له حقيقة ما قلنا ويتبين له التصديق بما أمرنا واللّه الموفّق للصواب . فصل في مخاطبة أهل العلم الغافلين عن أمر النفس والمعرضين عن معرفة جوهرها أخبرنا أيها الأخ : هل أنت عالم ومتيقن بأن مع هذا الجسد الطويل العريض العميق أعني الجسد المركّب من اللحم والعظم والعصب والعروق ، المؤلف من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمرّتان ، التي كلها أجسام أرضية مظلمة ، غليظة منتنة ، متغيرة فاسدة ، جوهرا آخر هو أشرف منه وهو النفس التي هي جوهرة روحانية ، بسيطة حية ، سماوية شفّافة ، وهي المحركة لهذا الجسم ، المدبرة له ، المظهرة به ومنه أفعالها وأقوالها وعلومها ، أو تقول إنه ليس هاهنا شيء آخر غير هذا الجسد المرئي المحسوس ، المتغير الفاسد ، المستحيل الهالك ، الذي إن أصابه حرّ ذاب ، أو إن أصابه برد جمد ، وإن نام بطلت حواسه ، وإن انتبه لا يشعر بوجوده ، وإن نقل لا يدري أين كان ، وإن ترك لا يتحرك ، وإن حرّك لا يحس بذاته ، جاهل لا يعلم شيئا ، وإن لم يسق جفّ عطشا ، وإن لم يطعم ذبل ، وإن طعم امتلأ من الدم والصديد والبول والغائط ، كأنه ربع مجصص ظاهره ، مملوء