إخوان الصفاء
183
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وبالجملة ينبغي لمن أراد أن يعرف النفس قبل معرفتها أن يبحث عن أمرها ويطلب علمها بسبعة مباحث : أحدها يبحث هل النفس شيء من الأشياء الموجودات أو هذه تسمية فارغة لا معنى تحتها ، وقد بيّنا في رسالة البرهان وجودها . والثاني يبحث هل هي عرض ، كما بيّنا في رسالة لنا . والثالث يبحث كم هي أجناس النفوس الموجودات في العالم ، كما بيّنا في رسالة قول الحكماء : الإنسان عالم كبير . والرابع يبحث كيف يكون رباط النفس مع الجسد ، كما بيّنا في رسالة تركيب الجسد . والخامس يبحث أين كانت النفس قبل رباطها بالأجساد ، كما بيّنا في رسالة مسقط النطفة . والسادس يبحث عنها إذا فارقت أجسادها أين تكون ، كما بيّنا في رسالة البعث والقيامة . والسابع يبحث ما الغرض في كونها مع الأجساد تارة ومفارقتها تارة ، كما بيّنا في رسالة أن الإنسان عالم صغير ، فإن رأى الشيخ أن يتأمل وينظر فيها ويتأمل معانيها ، فعل . فصل في مهنة النفوس وعشقها للأجسام واعلم أيها الأخ أن مثل هذه النفس الجزئية ، مع شرف جوهرها وما هي عليه من غربتها في هذا العالم الجسماني ، وما قد ابتليت به من آفات هذا الجسد وفساد هيولاء ، كمثل رجل حكيم في بلد الغربة قد ابتلي بعشق امرأة رعناء ، فاجرة جاهلة ، سيئة الأخلاق ، رديئة الطبع ، وهي في دائم الأوقات تطالبه بالمأكولات الطيبة ، والمشروبات اللذيذة ، والملبوسات الفاخرة ، والمسكن المزخرف ، والشهوات المردية ، وإن ذلك الحكيم ، من شدة محبته لها وعظم بلائه بصحبتها ، قد صرف كل همته إلى إصلاح أمرها ، وأكثر عنايته بتدبير شأنها ، حتى قد نسي أمر نفسه وإصلاح شأنه ، وبلدته التي خرج منها ، وأقرباءه الذين نشأ معهم أولا ، ونعمته التي كان فيها بديّا . واعلم أيها الأخ البار الرّحيم أن جوهر النفس جوهرة سماوية ، وعالمها عالم