إخوان الصفاء

176

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم أن المقرّ باللسان غير متصوّر له يكون مقلدا ، والمتصوّر له غير المصدّق به يكون شاكّا متحيّرا ، والمصدّق به غير المحقق له بالاجتهاد في العمل المشاكل لهذا الأمر يكون مقصّرا ومفرّطا ، والمكذّب باللسان لهذا الأمر المنكر له بقلبه يكون جاحدا كافرا ، كما قال اللّه تعالى : « الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون » . واعلم أن المقر بهذا الأمر بلسانه ، المتصوّر له بقلبه على حقيقة ، يجد من نفسه أربع خصال لم يكن يعرفها قبل : إحداها قوة النفس بالنهوض من الجسد ، والثانية النشاط في طلب الخلاص من الهيولى التي هي جهنم النفس ، والثالثة الرجاء والأمل للفوز والنجاة عند مفارقة النفس الجسد ، والرابعة الثقة بالله واليقين بتمام هذا الأمر وكماله . فصل واعلم أن كل مقر بهذا القرآن وبكتب الأنبياء ، عليهم السلام ، وأخبارهم عن الغيب ، فإنهم في ذلك على أربع منازل : إما مقرّ بلسانه غير مصدّق بقلبه ، أو مقرّ بلسانه ومصدق بقلبه غير عارف بمعانيه وبيانه ، أو مصدّق ومقر ومتيقن عارف ولكن غير قائم بواجب حقه . فالمقرّ بلسانه غير المصدّق بقلبه هو الذي قد رزق من الفهم والتمييز قليلا ، فإذا فكّر بقلبه ، وميّز ببصيرته ما يدل عليه ظاهر ألفاظ الكتب النبويّة ، لا يقبله عقله أنه لا يتصوّر معانيها اللطيفة وإشارتها الخفيّة ، فينكرها بقلبه ويشك فيها . وأما من أقر بلسانه وصدّق بقلبه فهو الذي يتفكّر ويعلم أن مثل هذا الأمر الجليل الذي قد اتفقت على حقيقته الأنبياء والأئمة المهديّون والخلفاء