إخوان الصفاء
158
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل فقال الملك للوزير : مذمتي عرفت هذه القصة واعتقدت هذا الرأي وعلمت هذا المذهب ؟ فقال : من زمان . قال : فما الذي منعك أن تذاكرني بهذا الأمر الجليل العظيم الخطير في طول صحبتك معي ؟ قال الوزير : إني لم أترك مذاكرة الملك بهذا الأمر الجليل لأني بخلت عليك به ، أو لم أرك أهلا لذلك ، ولكني تركته انتظارا وطلبا لفرصة توجب الخطاب وموضعا للكلام ، لأن النظر في هذا العلم والبحث عن تحقيق هذا الأمر والتصوّر له بكنه المعرفة يحتاج إلى قلب فارغ من أشغال الدنيا ، ونفس صافية من العوارض المكدّرة والآراء الفاسدة والعادات الرديئة ، وهمة عالية في طلب الأمور الشريفة ، والزّهد في الشهوات الجسمانية المذمومة ، وترك اللذات المحسوسة الجرمانية الفانية ، حتى يتصوّرها بحقها وصدقها كي لا يكون المقرّ بهذا الأمر مقلّدا كالعوام الذين لا يعلمون من القول إلّا زورا ، ولا من العمل إلّا ظاهرا ، ولا من العلوم إلّا قشورا ، ولا من الدين إلّا تعصّبا ، وإن الملوك أكثر الناس أشغالا في أمور الدنيا ، وأطولهم آمالا ، وأرغبهم في الخلود في الدنيا ، وأكثرهم تمنّيا للبقاء فيها ، لشدّة تمكّنهم من التمتع بنعيمها ، واستغراقهم في شهوات لذاتها ، ولا يصلح للمذاكرة بهذا العلم إلّا فتيان أذكياء ، لهم نفوس صافية ، وقلوب واعية ، بريئون من الآراء الفاسدة ، غير معتادين للعادات الرديئة ؛ أو مشايخ مهذبون في العلوم الرياضية ، مجرّبون في الأمور السياسية ، محبّون للعلوم الإلهية ، غير متعصبين في المذاهب المختلفة والآراء المتناقضة ، أو نفوس ملكيّة لها همم عالية في طلب مراتب الملائكة ، والأمور السماوية ، والمعقولات الروحانية ، والوجود المحض ، والبقاء الدائم والدوام السّرمد . فقال الملك : ما يسعنا ، بعد هذا اليوم ، إلّا أن نجعل أكثر عنايتنا في