إخوان الصفاء
153
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وكان نهايته أن ينهاه عن ذلك أو ينبّهه من غفلته ، وأن لا يسمع لقوله لشدة سكرته وغفلته ، ولا يقبل نصيحته لتمكّنها في نفسه واستمراره عليها طول الزمان ، فشكا ذلك إلى صديق له فقال : قد طالت صحبتي لهذا الملك وما رأيت منه إلّا خيرا ، وله إلى إحسان كثير وإنعام وإفضال لا أقدر أن أؤدي شكرها ، ولست أنكر من أمره إلّا ما هو فيه من الغفلة في أمر الدين والمعاد وقلّة الرغبة في الآخرة ، وترك النظر في المنقلب بعد الموت ، ولا أدري إن ذكّرته كيف يقع منه . فقال له صاحبه : أنت أخبر بصاحبك وأعرف بأخلاقه وأعلم بعاداته ، فكن طبيبا رفيقا لا تضع الدواء إلّا عند الداء حتى ينفع ، واطلب الفرصة ، فإن رأيت للكلام موضعا وللخطاب موقعا فاغتنم ذلك ، وإن لم تر فلا تضيّع الحزم . واعلم بأن الملوك لهم سكرات وغفلات من عدّة وجوه ، فمنها سكرات السلطان والأمر والنهي ومحبة الرئاسة والعز والأنفة والكبر والاستطالة . ومنها سكر الشباب والنشاط والنجدة والتفاخر والخيلاء والشجاعة والشطارة ومحبة الغلبة والرئاسة والسّمعة . ومنها حبّ الشّهوات المركوزة في الجبلة والتمكّن منها ، والميل إلى اللذات المعتادة والرفاهية والراحة والزّلفة واستمرار على العادات المعتادة من الصبا . ومنها الجهالات المتراكمة من أول الأمر ، والأخلاق المنشأة مع الطبع والخلقة . وكل هذه سكرات تمنع من استماع الحكمة والنظر في العاقبة والفكر والروية في المعاد والمنقلب في الآخرة بعد الموت . ثم إن ذلك الوزير مكث دهرا طويلا يطلب الفرصة لخطابه ، إلى أن اتفق أن قال له الملك ذات ليلة ، بعد ما فرغا من النظر في أمر الرعية وكتب النوبة وتدبير السياسة : هل لك أن نخرج الليلة متنكّرين لنعرف حال المدينة ، ونتجسّس أحوال الرعية ، وننظر إلى آثار المطر وكيفيّة ذي البلاد ومصالح العباد ؟ وكان من سنّة ملوك تلك البلاد أن لا يركب الملك إلّا في كل سنة