إخوان الصفاء

15

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

عليهم في ذلك لشدة شفقته على أبناء جنسه ، ورحمته لهم وتحننه عليهم ، وحرصه على مداواتهم طلبا لمرضاة اللّه ، عز وجل ، بأن طلب من أهل تلك المدينة رجلا من فضلائهم الذين كان بهم ذلك المرض ، فأعطاه شربة من شربات كانت معه قد أعدها لمداواتهم ، وسعطه « 1 » بدخنة « 2 » كانت معه لمعالجتهم ، فعطس ذلك الرجل من ساعته ، ووجد خفّة في بدنه ، وراحة في حواسّه ، وصحة في جسمه ، وقوة في نفسه . فشكر له وجزاه خيرا وقال له : هل لك من حاجة أقضيها لك مكافأة لما اصطنعت إلي من الإحسان في مداواتك لي ؟ فقال : نعم ، تعينني على مداواة أخ من إخوانك . قال : سمعا وطاعة لك . فتوافقا على ذلك ، ودخلا على رجل آخر ممن رأيا أنه أقرب إلى الصلاح ، فخلوا به من رفقائه وداوياه بذلك الدواء ، فبرأ من ساعته . فلما أفاق من دائه جزاهما خيرا وبارك فيهما وقال لهما : هل لكما حاجة أقضيها لكما مكافأة لما صنعتما إلي من الإحسان والمعروف ؟ فقالا : تعيننا على مداواة أخ من إخوانك . فقال : سمعا وطاعة لكما . فتوافقوا على ذلك ، ولقوا رجلا آخر ، فعالجوه وداووه بمثل الأول فبرئ وقال لهم مثل قول الأوّلين ، وقالوا له مثل ما قال الأول . ثم تفرقوا في المدينة يداوون الناس واحدا بعد آخر في السر ، حتى أبرؤوا أناسا كثيرا ، وكثر أنصارهم وإخوانهم ومعارفهم ، ثم ظهروا للناس وكاشفوهم بالمعالجة ، وكابروهم بالمداواة قهرا ، وكانوا يلقون واحدا واحدا من الناس ، فيأخذ منهم جماعة بيديه وجماعة برجليه ، ويسعطه الآخرون كرها ، ويسقونه جبرا حتى أبرؤوا أهل المدينة كلهم .

--> ( 1 ) سعطه الدواء : أدخله في أنفه ليعطس . ( 2 ) الدخنة : ذريرة تدخّن بها البيوت .