إخوان الصفاء
122
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
واعلم يا أخي أن كلام الملائكة إنما هو إشارات وإيماء ، وكلام الناس عبارات وألفاظ . وأما المعاني فهي مشتركة بين الجميع . وكانت الأنبياء تأخذ الوحي والأنباء عن الملائكة إيماء وإشارات ، وذلك بلطافة ذكاء نفوسهم وصفاء جوهرها . وكانت تعبّر عن تلك المعاني للناس باللسان الذي هو عضو من الجسد لكل أمة بلغتها وبالألفاظ المعروفة بينها . واعلم يا أخي أن الأنبياء يستعملون في خطابهم الناس ألفاظا مشتركة المعاني ، لكيما يفهم كل إنسان بحسب ما يحتمل عقله ، لأن المستمعين لألفاظهم وقرّاء تنزيلات كتبهم متفاوتون في درجات عقولهم : فمنهم خاصّ ، ومنهم عام ، ومنهم بين ذلك . فالعامّة يفهمون من تلك الألفاظ معاني ، والخاصّة يفهمون معاني أخرى أدقّ وألطف . وفي ذلك صلاح للجميع ، لأنه قد قيل في الحكمة : « كلّموا الناس على قدر عقولهم . » وقال المسيح ، عليه السلام ، للحواريّين : « لا تضيّعوا الحكمة فتضعوها عند غير أهلها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » . فاجتهد يا أخي في طلب المعارف والعلوم ، واسلك مسلك الرّبّانيين والأخيار الذين أسلموا ، فلعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة ، وتستيقظ من رقدة الجهالة ، وتصفو من كدر أوساخ الطبيعة ، وتنفتح لها عين البصيرة ، فتفهم أسرار كتب النبوّة ، ومرموزات النواميس الإلهية ، فعند ذلك يتهيّأ لها قبول إلهام الملائكة . واعلم يا أخي أن نفسك ملك بالقوّة ، ويمكن أن تصير ملكا بالفعل إن أنت سلكت مسلك الأنبياء وأصحاب النواميس الإلهية ، وعملت بوصاياهم المذكورة في كتبهم ، المفروضة في سنن شرائعهم . وأن نفسك أيضا شيطان بالقوّة يمكن أن تصير يوما شيطانا بالفعل إن أنت سلكت مسلك الأشرار والكفّار . فانظر الآن يا أخي ما ذا تختار لها وترضى لنفسك ، فقد أعذر من أنذر :