إخوان الصفاء
117
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وفهمه لمعانيها أسهل ، مثل نفوس الأنبياء ، ثم بعدهم نفوس الصّدّيقين ، ثم بعدهم نفوس المؤمنين المصدّقين الأخيار الفضلاء الأبرار ، ثم الأمثل فالأمثل والأقرب فالأقرب . والدليل على صحة ما قلنا وصايا الأنبياء والحكماء بهذا الأمر : وذلك أن موسى ، عليه السلام ، أوصى أولاد هارون أن يلزموا ، بعد قيامهم بشريعة التوراة ، خدمة الهيكل المسمّى الزمان ، ويتعبدوا فيها ، ويتركوا لذات نعيم الدنيا واتّباع شهوات النفوس ، ويقتصروا على ما لا بد منه من القوت ، وما يستر العورة من اللباس ، ويتركوا ما سوى ذلك من الفضول ، كل ذلك كيما تصفو نفوسهم ، وتتهذب أخلاقهم ، وتصير نفوسهم متهيئة لقبول الوحي والإلهام . وقال لهم : من تعبّد منكم على ما رسمت له في هذا الهيكل أربعين سنة مخلصا جاءه الوحي من اللّه ، عز وجل ، ونزلت عليه الملائكة بالروح . وقال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : « من أخلص العبادة للّه أربعين صباحا نوّر اللّه قلبه ، وشرح صدره ، وأطلق لسانه بالحكمة ، ولو كان أعجميّا غلقا » . وقال موسى في مناجاته بعد خطاب طويل : « ربّ إني أجد في التوراة نعت أمّة كادوا أن يكونوا أنبياء من دقّة التمييز ، من هم ؟ اجعلهم من أمتي ! » قال اللّه تعالى : « يا موسى ، تلك أمة أحمد » . فقال موسى : « يا ربّ ، جعلت الخير كلّه في أمّة أحمد ، فاجعلني منهم ! » فقال له ربه : « أنت منهم وهم منك ، أنت على دين الإسلام ، وهم على دين الإسلام » . وكان مما يقوله المسيح للحواريّين : « إنما جئتكم من عند أبي وأبيكم لأحييكم من موت الجهالة ، وأداويكم من مرض المعاصي ، وأبرئكم من مرض الآراء الفاسدة ، والأخلاق الرديئة ، والأعمال السيئة ، كيما تتهذّب نفوسكم ، وتحيا بروح المعارف ، وتصعدوا إلى ملكوت السماء ، عند أبي وأبيكم ، فتعيشوا